أكدت الدبلوماسية الأمريكية ونائبة الأمين العام لحلف "الناتو” السابقة روز غوتيمولر أن العقيدة النووية العالمية تشهد أزمة حقيقية تتمثل في تراجع فعالية الردع النووي التقليدي الذي حكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في مقال تحليلي بعنوان "الهزيمة الغريبة للردع النووي والأزمة القادمة في الاستقرار الاستراتيجي” بمجلة "فورين أفيرز” شددت الباحثة على أن الحروب والصراعات الأخيرة أظهرت أن امتلاك السلاح النووي لم يعد كافيا لمنع الخصوم من تنفيذ هجمات عسكرية مؤلمة، بل إن دولا وجماعات مسلحة باتت أكثر استعدادا لاختبار حدود القوة النووية واستهداف مصالح الدول المالكة لهذا السلاح دون خوف جدي من رد نووي.
مسيرات أوكرانية ونووي روسيا
الكاتبة التي شغلت منصب نائبة الأمين العام لحلف "الناتو” من أكتوبر 2016 إلى أكتوبر 2019 في عهد الأمين العام ينس ستولتنبرغ، وشغلت قبل ذلك منصب وكيلة وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي في وزارة الخارجية الأمريكية، قدمت كمثال لطرحها بـ "عملية أوكرانية جريئة” نُفذت داخل الأراضي الروسية في عام 2025، عندما تمكنت كييف من استخدام طائرات مسيّرة صغيرة ومنخفضة التكلفة لضرب قواعد جوية روسية تضم قاذفات إستراتيجية مرتبطة بالقدرات النووية الروسية.
موسكو كانت قد لوّحت سابقا بإمكانية الرد النووي على أي استهداف لأصولها الإستراتيجية. ومع ذلك، لم تلجأ إلى الخيار النووي ضد أوكرانيا واكتفت برد عسكري تقليدي، مما أظهر حدود التهديد النووي
ولفتت إلى أن العملية شكلت صدمة عسكرية وسياسية، لا بسبب الخسائر التي لحقت بروسيا فحسب، بل لأن موسكو كانت قد لوّحت سابقا بإمكانية الرد النووي على أي استهداف لأصولها الإستراتيجية. ومع ذلك، لم تلجأ إلى الخيار النووي واكتفت برد عسكري تقليدي، مما أظهر حدود التهديد النووي عندما يتعلق الأمر بصراعات واقعية ومستمرة.
وترى الكاتبة أن هذا المثال يعكس تحولا أوسع في البيئة الإستراتيجية الدولية، إذ ساد الاعتقاد خلال العقود الماضية بأن امتلاك السلاح النووي يوفر للدول مظلة أمنية شبه مطلقة، وأن الخوف من الرد النووي كفيل بمنع الخصوم من المغامرة بالهجوم.
غير أن التطورات الأخيرة أوضحت أن هذه الفرضية لم تعد صالحة كما كانت، فها هي أوكرانيا تواصل مهاجمة أهداف روسية حساسة، وكذلك إيران وحلفاؤها يهاجمون إسرائيل رغم ما تمتلكه من قدرات ردع إستراتيجية، كما أن الهند وباكستان خاضتا مواجهات عسكرية مباشرة رغم امتلاكهما للسلاح النووي.
وبحسب الكاتب فإن انتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة ذات التكلفة المنخفضة أحدث تغييرا عميقا في طبيعة الحروب، وأصبح بالإمكان إلحاق أضرار كبيرة بدول قوية ومنشآت إستراتيجية باستخدام وسائل بسيطة نسبيا من حيث التكلفة والتكنولوجيا، مما قلل الفجوة التقليدية بين القوى الكبرى وخصومها، وأتاح لجهات أصغر حجما أن تفرض تحديات أمنية غير مسبوقة على الدول النووية.
وفي الوقت نفسه، نبهت الكاتبة إلى "المحرم النووي”، إذ لم يُستخدم السلاح النووي في الحروب منذ إلقاء القنبلتين الذريتين على اليابان عام 1945، مما أدى إلى نشوء قناعة عالمية واسعة بأن اللجوء إليه يمثل تجاوزا خطيرا للحدود السياسية والأخلاقية والإنسانية.
ونتيجة لذلك، أصبحت القيادات السياسية تدرك أن استخدام السلاح النووي سيترتب عليه ثمن دولي وتاريخي هائل، مما يجعل التهديد النووي أقل مصداقية في كثير من الحالات.
نووي إسرائيل وهجمات إيران وحلفائها
وأشارت الكاتبة إلى أن إسرائيل تقدم مثالا واضحا على هذا التحول، لأنها على الرغم من اعتمادها طويلا على سياسة الغموض النووي، لم تتمكن من منع الهجمات التي تعرضت لها من جانب إيران وحلفائها، كما لم تلجأ إلى التهديد النووي، بل إلى أنظمة دفاع جوي وصاروخي، مثل القبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومة آرو.
وهذا يعكس انتقالا عمليا من مفهوم "الردع بالتهديد” إلى مفهوم "الردع بالمنع”، أي منع الخصم من تحقيق أهدافه عبر تعزيز الدفاعات والقدرات الوقائية.
إسرائيل تقدم مثالا واضحا على هذا التحول، لأنها على الرغم من اعتمادها طويلا على سياسة الغموض النووي، لم تتمكن من منع الهجمات التي تعرضت لها من جانب إيران وحلفائها، كما لم تلجأ إلى التهديد النووي
ومن هنا تدعو الكاتبة إلى إعادة النظر في الأولويات العسكرية للدول النووية، وترى أنه، بدلا من إنفاق مئات المليارات على تحديث الترسانات النووية وزيادة أعداد المنصات الحاملة للرؤوس النووية، ينبغي توجيه المزيد من الموارد إلى حماية القواعد والمنشآت الحيوية وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي القادرة على مواجهة التهديدات الجديدة، خاصة أسراب المسيّرات والصواريخ الدقيقة.
ورغم هذا التشكيك في فعالية الردع النووي، لا تذهب الكاتبة إلى حد القول إن الأسلحة النووية فقدت قيمتها بالكامل، لأنها لا تزال تؤدي دورا مهما في منع المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة وروسيا.
وأوضحت الكاتبة أن امتلاك الطرفين آلاف الرؤوس النووية يجعل أي صدام مباشر بينهما محفوفا بخطر التدمير المتبادل، وهو ما يدفعهما إلى قدر كبير من الحذر، إلا أن هذا التوازن نفسه قد يصبح أكثر هشاشة مع التوسع السريع في القدرات النووية الصينية، وما قد يترتب عليه من تغيرات في ميزان الردع العالمي.
تراجع مكانة المظلة النووية الأمريكية
من ناحية أخرى أوضح المقال أن تراجع الثقة في المظلة النووية الأمريكية قد يدفع بعض الدول الحليفة، خصوصا في أوروبا وشرق آسيا، إلى التفكير في امتلاك أسلحة نووية خاصة بها، خاصة لأن هناك أصواتا في بولندا وألمانيا وكوريا الجنوبية، وحتى اليابان بدأت تطرح هذا الخيار بصورة أكثر وضوحا.
ومع ذلك ترى الكاتبة أن امتلاك المزيد من الدول للسلاح النووي لن يحقق الأمن المنشود، بل سيزيد من احتمالات الحوادث النووية وسوء التقدير وانتشار المواد الانشطارية ووصولها إلى جهات غير حكومية أو تنظيمات متطرفة.
امتلاك المزيد من الدول للسلاح النووي لن يحقق الأمن المنشود، بل سيزيد من احتمالات الحوادث النووية وانتشار المواد الانشطارية ووصولها إلى تنظيمات متطرفة
وفي ضوء هذه التحولات، تدعو الكاتبة إلى تطوير منظومة جديدة من القواعد والأعراف الدولية تهدف إلى الحد من مخاطر التصعيد النووي، وتشمل هذه الجهود منع استهداف المنشآت النووية المدنية والعسكرية أثناء الحروب، وتوسيع الاتفاقات القائمة بين بعض الدول لتصبح قواعد دولية عامة.
وخلصت الكاتب إلى أن العالم يدخل مرحلة إستراتيجية جديدة تتراجع فيها المكانة المطلقة للسلاح النووي كضامن للأمن والاستقرار، لأن التطور السريع في تقنيات الحرب التقليدية، وازدياد فعالية المسيّرات والصواريخ الدقيقة، وارتفاع كلفة الردع النووي السياسية والأخلاقية، غدت عوامل تدفع نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي.
وختمت الكاتبة بالقول إنه على الدول التي ترغب في حماية نفسها خلال العقود المقبلة ببناء دفاعات مرنة ومتطورة وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الهجمات التقليدية، بدلا من الاعتماد على افتراض أن امتلاك السلاح النووي وحده كفيل بردع الخصوم ومنعهم من المغامرة.
