ليست المشكلة أن نحتفي بإنجاز كروي أردني، ولا أن نفرح حين يرفع النشامى اسم الوطن في الملاعب، فهذه لحظات فخر يستحقها كل أردني. المشكلة تبدأ حين يتحول الفخر بالرياضة إلى إهانة غير مقصودة لذاكرة وطن كامل، وحين يُقال إن العالم لم يعرف الأردن إلا بعد كرة القدم، وكأن هذا البلد العريق كان غائبًا عن التاريخ والجغرافيا والسياسة حتى جاءت صافرة مباراة لتمنحه بطاقة تعريف.
هذا الكلام مؤلم، لا لأنه صدر عن شخص عادي فقط، بل لأنه يصدر عن ابن رئيس حكومة سابق، ومن المفترض أن يكون أكثر إدراكًا لمعنى الدولة، وعمقها، وصورتها، ومكانتها. فالذي ينتمي إلى بيت سياسي عرف موقع المسؤولية الأولى، لا يجوز أن يتحدث عن الأردن وكأنه اسم طارئ على الخريطة، أو بلد احتاج إلى بطولة رياضية كي يلتفت إليه العالم.
نعم، قد يسأل طالب في جامعة أمريكية: أين الأردن؟ وقد يجهل بعض الناس مواقع الدول، فهذا يحدث مع دول كثيرة. لكن تحويل جهل بعض الأفراد إلى حكم عام على مكانة الأردن في العالم، هو خفة في القراءة، وضعف في التعبير، وظلم لتاريخ وطن لم يبدأ أمس، ولم ينتظر مدرجات الكرة كي يعرفه الآخرون.
الأردن لم يولد مع صافرة مباراة، ولم يدخل خرائط العالم عبر هدف جميل أو بطولة مشرفة. الأردن حاضر منذ تأسيس الدولة الحديثة، وحاضر بقيادته الهاشمية، وبجيشه العربي، وبدوره السياسي والدبلوماسي، وبمواقفه القومية، وبحضوره في ملفات المنطقة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
هل كان العالم يجهل الأردن حين كان الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، واحدًا من أبرز القادة حضورًا في السياسة الدولية؟ وهل يجهله اليوم وهو يسمع صوت الملك عبد الله الثاني في المحافل الكبرى دفاعًا عن فلسطين والقدس والاستقرار؟ وهل تحتاج البتراء، إحدى عجائب الدنيا، إلى كرة قدم كي يعرفها العالم؟ وهل يحتاج البحر الميت، ووادي رم، وجرش، وموقع المعمودية، وإرث الأنباط، إلى مباراة كي يدخلوا الذاكرة الإنسانية؟
الأردن معروف بتاريخه، بموقعه، باعتداله، بجيشه، بمؤسساته، باستضافته للاجئين، وبقدرته على البقاء ثابتًا وسط إقليم مضطرب. معروف لأنه دولة صنعت احترامها بالتوازن والعقل والحكمة، لا بالضجيج ولا بالصدفة.
نحن نعتز بمنتخبنا الوطني ونرفع له القبعة، ونفرح بكل إنجاز رياضي يضيف إلى صورة الأردن ولا ينتقص منها. لكن الخطأ الكبير أن نختصر الوطن كله في كرة قدم، أو أن نقول للناس إن الأردن لم يُعرف إلا بعدها. الرياضة تضيف إلى رصيد الدولة، لكنها لا تصنع تاريخها من الصفر.
كان الأجدر بابن رئيس حكومة سابق أن يقول إن كرة القدم منحت الأردن حضورًا شعبيًا جديدًا لدى فئات ربما لم تكن تتابع السياسة أو التاريخ أو السياحة. هذا كلام مفهوم ومقبول. أما القول إن العالم لم يعرف الأردن إلا بعد الفوتبول، فهو تعبير جارح، لا يليق بوطن أقدم وأعمق وأكبر من أن يُختزل في لقطة عابرة.
فالأردن لم ينتظر كرة قدم كي يعرفه العالم؛ كان حاضرًا بتاريخه وملوكه وجيشه وبترائه ودم شهدائه، قبل أن تهتز المدرجات باسم النشامى.
