كتب: عريب الرنتاوي - يومٌ واحدٌ إضافي في واشنطن، كان كفيلاً بانتزاع توقيع لبنان الرسمي على اتفاق إطاري مع إسرائيل...في اليوم الرابع لمحادثات واشنطن المباشرة التي كان مقرراً لها أن تمتد لثلاثة أيام، نجح ماركو روبيو في تدوير "الزوايا الحادة"، في مواقف الوفد اللبناني، إن كانت هناك زوايا حادة...مكالمة واحدة فقط مع الرئاسة الأولى، أنجزت ما عجز المتفاوضون عن إنجازه في ثلاثة أيام...هذا نمط من المفاوضات والمفاوضين، تفضله واشنطن، وقد اعتادت عليه، بخلاف "درب الجلجلة" الذي وجدت نفسها تسير على أشواكه، من إسلام آباد إلى بورغنشتوك.
والحقيقة أن هذا الاتفاق ما كان ليرى النور، لولا مساحة المشتركات العريضة التي التقت حولها الوفود الثلاثة: الوفدان المفاوضان، والوفد الوسيط...وفي القلب منها "العداء الظاهر لحزب الله وإيران" ... مروحة المشتركات جعلت الصعب ممكناً ... الأولوية المتفق عليها، أُعطيت لفصل المسارين بعد توثيق ومأسسة ارتباطهما في بورغنشتوك، ما عدّته الأطراف الثلاثة، منجزاً أعظماً تولّد "قيصرياً" عن اتفاقهما السريع والمُتسرع...إخراج إيران من المعادلة اللبنانية، هي الترجمة الحرفية لفكرة "السيادة" التي تحدث عنها الاتفاق والمتفقون وليس إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لستة بالمئة من الأرض اللبنانية...أما إضعاف حزب الله وتفكيكه، فتلكم غاية لم يكن يدور بمخيلة أحد، أن تلتقي حولها إسرائيل والسلطة اللبنانية، برعاية العرّاب الأمريكي، مع إن إرهاصات هذا التوافق، كانت أطلت برأسها في وقت مبكر، وقبل الجولة الأخيرة من الحرب.
يفسر ذلك، أن كلمة "انسحاب" لم ترد مرة واحدة في "الاتفاق الإطاري"، وجرى حديث عن إعادة انتشار مشروط للجيش الإسرائيلي في لبنان، أما عبارة "نزع السلاح" فقد وردت خمس مرات في اتفاق من أربع عشرة نقطة، أحسب أن عددها لم يأت من قبيل الصدمة، بل عن سبق ترصد وتزيّد، ليكون مماثلاً لبنود مذكرة التفاهمات!
لسنا هنا بصدد تعداد مثالب الاتفاق، فقد أُشبع بحثاً ونقداً وتمحيصاً، يكفي أنه "شرعن" بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان "حتى إشعار نزع السلاح"، ويكفي أنه أعطى العدو مكانة "الخصم والحكم"، فهو من سيمنح شهادات "حسن السلوك" للجيش اللبناني وإدائه، ويكفي أنه تجاهل اتفاقية الهدنة وقدّم اعترافاً مجانياً بكيان الاحتلال، ومنع لبنان من حقه في مطاردته في المحافل الدولية، وفتح الباب رحباً لتفاهمات أمنية، تستعيد تجربة التنسيق الأمني المقدس لسلطة أوسلو ... وإذ قال البعض أن الاتفاق الإطاري جاء منتمياً لمدرسة أوسلو في التفاوض، فإنني أضيف، أنه صنع من قماشة أكثر رداءة من قماشة أوسلو المتهرئة ذاتها.
حلقة في سلسلة
يخطئ من يظن أن لهفة ماركو روبيو لاستعجال ولادة الاتفاق، كيفما اتفق، قد جاءت من فراغ، أو أنها ثمرة لنهجه الأكثر التصاقاً بتيار الصقور المدفوع من "إيباك" و"المحافظين الجدد"، تلكم واحدة من محفّزات الاستعجال، تشّف عن تضارب في المواقف والاتجاهات والقراءات داخل إدارة ترامب...ما حصل، يتعين أن يُنظر إليه بوصفه حلقة من سلسلة "الهجمات المرتدة" التي تشنها إدارة ترامب على مذكرة التفاهم المبرمة مع إيران، تستهدف انتزاع واحدة من أوراق القوة التي يمسك بها المفاوض الإيراني( تلازم المسارين)، ويضغط بها على تل أبيب وواشنطن.
الورقة الثانية، هي مضيق هرمز، حيث تُعيد واشنطن قراءة وتفسير البند الخاص بالمضيق في مذكرة التفاهم، وتسعى في "شق طرق التفافية بحرية"، تفقد طهران ما وُصِفَ بأنه "قنبلتها النووية الثانية"، مع أنه لم يتأكد بعد أن لديها "قنبلة نووية أولى"، وما الاشتباك القائم منذ أيام، في المضيق وعليه، سوى عرضٍ لمرضِ عودة واشنطن عن تفاهماتها، أو نتيجة لمحاولاتها المستميتة إعادة تفسير بنود المذكرة، بما يُفرغها من مضمونها.
والواضح من سلوك الإدارة الأمريكية أن ثمة من "همس" في أذن ترامب، بأن الاتفاق جاء وبالاً على صدقية واشنطن وهيبتها ونفوذها في الإقليم، وأن الوقت لم يفت بعد، إن لم يكن للعودة عنها، فعلى الأقل، لفرض تفسيرات مغايرة لها، إن لم يكن في النص، ففي الآليات التنفيذية...بعض هؤلاء الهامسين، يقبعون في واشنطن، وكثرة منهم في تل أبيب، وقلة في عواصم عربية معروفة
هنا، تبرز على سبيل المثال، حكاية اللعب بالبند الخاص بالأموال المُجمّدة المُفرج عنها، إذ بخلاف ما جاء واضحاً في المذكرة حول صلاحية البنك المركزي الإيراني في تقرير هوية المستفيد الأخير من هذه الأموال في تعاملات إيران التجارية، فإن ترامب لا يكف عن القول بأنها أموالٌ ستصرف بمعرفة واشنطن، وتحت إدارتها وإشرافها، لشراء بضائع أمريكية حصراً: قمح وذرة وصويا.
وهنا بالذات، تبرز حكاية الشروع في إيفاد المفتشين الدوليين (ومن بينهم أمريكيين) لفحص المنشآت النووية الإيرانية، والتحقق من موجوداتها وأنشطتها، حتى قبل أن يشرع الفريقان في مفاوضات الستين يوماً حول النووي الإيراني، كما نصت المذكرة، ما ولّد طبقة جديدة من أزمات الثقة المتراكبة بين الجانبين، وخلق حاجة ملّحة للوسطاء للتدخل العاجل لتفسير المذكرة هذه المرة، بعد أن كان دورهم حيوياً في الوصول إليها.
محطة المنامة
ولا يمكن فهم "انقلاب" واشنطن على مذكرة التفاهم، من دون التوقف عند محطة المنامة في رحلة روبيو الخليجية، واجتماعات (6+1) التي ضمته إلى جانب وزراء دول مجلس التعاون الست...هنا جاء "الانقلاب" فجّا بكل ما تحمله الكلمة من معاني، فلأول مرة منذ بدء مسار التفاوض يُعاد طرح برنامج إيران الصاروخي ومسيّراتها، ويُعاد التذكير بقصة إبريق الزيت: الوكلاء والأذرع، بعد أن بدا أن هذه المواضيع قد سحبت من التداول، ولم يعد أحدٌ يأتي على ذكرها.
بين المنامة، حيث قدّم المجتمعون جرعة دعم لفصل مساري إيران ولبنان والانقضاض على تفاهمات المنتجع السويسري، وواشنطن، حيث مقر الخارجية الأمريكية الذي سيشهد إبرام وثيقة الفصل بين المسارات، مسافة يوم واحد من الزمن، اكتملت خلاله فصول الانقلاب، واتضحت سمات "المنقلبين"، لتزدحم الأسئلة والتساؤلات التي تبحث عمّن يجيب عليها.
منها، أن مذكرة التفاهم، ما كان لها أن ترى النور، لولا الجهد القطري المنسق عن كثب مع كلٍ من السعودية ومصر وتركيا، وبالأخص الوسيط الأساسي: الباكستان، فكيف تُقدم دولتان على الأقل (السعودية وقطر) على الانقلاب على مذكرة سعتا حيثياً لإخراجها إلى حيز الضوء؟، وهل حدث انقلاب فعلاً في مواقف هاتين الدولتين، ثم ماذا عن الموقف العُماني الأكثر حماسة وانخراطاً في مساعي وقف الحرب وإبرام وقف لاتفاق النار؟
هي جاء روبيو ليستقوي بمواقف دول خليجية في صراعه داخل الإدارة مع تيار متحمس للاتفاق ومسؤول عن إبرامه، يتزعمه، جي دي فانس، ويبارك مساعيه رئيسه دونالد ترامب، أم أن دولاً خليجية، معروفة بمواقفها الأشد عداء لإيران وحلفائها، هي من استقوى بروبيو على دول خليجية أخرى، آثرت أن تشق طريقاً مغايراً، ولم يعد خافياً على أحد، أن دول الخليج الست، لا تقرأ من الكتاب نفسه، وأن بعضها لطالما تمنى ألا تضع الحرب أوزارها إلا بسقوط النظام في طهران، مهما كانت الأكلاف والتبعات.
هل أنهى بيان المنامة، مساعي دول خليجية للتوسط لوقف الحرب وإحلال سلام شامل ونهائي في الإقليم، أم أن كل دولة من الدول الست التي اجتمعت بروبيو، ستمارس صبيحة اليوم التالي، ما تراه مناسباً لمصالحها ومنسجماً مع قراءاتها للمشهد؟ ... هل قررت الدوحة التي قيل إنها تنطق بلسان مجموعة عربية وإسلامية، التخلي عن دورها وعضويتها في "الخلية" المولجة متابعة تنفيذ البند اللبناني في مذكرة التفاهم، لصالح إبداء كل الدعم لمسار واشنطن وحلوله الأحادية، المنفردة والمفروضة على اللبنانيين؟
ثمة "قطبة مخفية" فيما حصل، وهو إذ يعكس اضطراباً وانقساماً داخل صفوف الإدارة الأمريكية، فإنه بلا شك، يشكل بداية نكوصٍ عن نص وروح مذكرة التفاهم، استدعى العودة لأعمال العنف، وقد يستدعي المزيد منها، على جبهة لبنان كما على الجبهة الإيرانية.
هل سقطت التفاهمات؟
سؤال تردد كثيراً خلال الأيام القليلة الماضية، ويصعب تقديم إجابات جازمة عليه، فإسرائيل، وفريق من أركان الإدارة وبعض جماعات الضغط المعروفة في واشنطن، لا تريد الاتفاق، ولقد رأت فيه انتكاسة ونكوصاً عن كل أهداف الحرب، لكن ثمة فريق آخر، يريد هذا الاتفاق، ولطالما استعجل توقيعه، والرئيس الأمريكي ذاته، لا يريد العودة للحرب على نطاق واسع، رغم تهديداته "الطائشة"، سيما في ضوء التقارير التي تتحدث عن قرب نفاذ مخزونات النفط والذخائر في المستودعات الأمريكية.
ومن دون استبعاد احتمال تجدد الحرب وعودة أنشطتها المدمرة المتبادلة، فإن كفّة استنقاذ الاتفاق ما زالت هي الراجحة، سيما وأن إيران بدورها، لا تريد العودة للحرب، على الرغم من وجود معارضين في داخلها للاتفاق والمذكرة، بل ولمبدأ التفاوض مع "الشيطان الأكبر".
أضف إلى ذلك، أن دول الخليج الوازنة، معظم دول الخليج، لا تريد العودة للحرب، بعد أن تحوّل بعضها إلى ساحات وميادين لتبادل الرسائل المدمرة والُمكلفة، والشيء ذاته ينطبق على مروحة أكبر من دول المنطقة، فضلاً عن الدول المستوردة للنفط والغاز والبتروكيماويات والأسمدة، من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية.
الراجح أن واشنطن بممارستها "الاحتيال" على طهران، عند الشروع في ترجمة مذكرة التفاهمات، إنما تسعى لسلبها بعضٍ من مكاسبها، وهذا ما تنبهت إليه الأخيرة مبكراً، بتأكيد إصرارها على مبدأ "الخطوة مقابل خطوة" في الدبلوماسية، و"ضربة مقابل ضربة" في الميدان...والأيام القليلة، أشدد على قليلة، ستكشف وجهة تطور الأحداث وحصيلة تزاحم المسارات وسياقاتها.