حين يكتب الإعلام الإسرائيلي عن الأردن بوصفه "الشريك الخفي” في الحرب ضد إيران، فإنه لا يصف الحقيقة كاملة، بل يقرأها من زاوية المصلحة الإسرائيلية وحدها. فإسرائيل تريد أن ترى كل حركة دفاعية أردنية باعتبارها خدمة لها، وكل إجراء لحماية السماء الأردنية كأنه اصطفاف سياسي في معركتها. لكن الحقيقة أبسط وأعمق في الوقت نفسه: الأردن لم يكن طرفاً في حرب أحد، بل كان دولة تحمي أرضها وسماءها وشعبها من نار عابرة فوق رأسه.
في لحظات الاشتباك الإقليمي الكبرى، لا تملك الدول الجغرافية الفاصلة رفاهية الوقوف متفرجة. فالأردن يقع في قلب منطقة مشتعلة، بين فلسطين وسوريا والعراق والسعودية، وعلى تماس مباشر مع مسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة. لذلك، فإن أي جسم عسكري يعبر أجواء المملكة، سواء كان متجهاً إلى إسرائيل أو إلى غيرها، لا يعود شأناً خارجياً خالصاً، بل يصبح تهديداً مباشراً للسيادة الأردنية ولأمن المواطنين الأردنيين.
من هنا، فإن اعتراض الصواريخ أو المسيّرات فوق الأرض الأردنية لا يحتاج إلى تبرير سياسي معقد. هذه ليست مشاركة في حرب، ولا دفاعاً عن إسرائيل، ولا انخراطاً في محور ضد محور. إنها أبسط واجبات الدولة: أن تمنع سقوط النار على بيوت الناس، وأن تحمي المدن والقرى والمطارات والمنشآت الحيوية، وأن تقول لكل الأطراف إن سماء الأردن ليست ممراً مفتوحاً لحروب الآخرين.
المشكلة أن بعض القراءات تتعمد الخلط بين التنسيق الأمني الضروري وبين الاصطفاف السياسي. الأردن، بحكم علاقاته الدولية وموقعه الحساس، ينسق مع قوى متعددة لحماية أمنه. لكن التنسيق لا يعني التبعية، والدفاع عن المجال الجوي لا يعني الدخول في الحرب. كل دولة مسؤولة تفعل ذلك. بل إن التقاعس عن حماية الأجواء كان سيُعدّ تفريطاً بالسيادة، لا حياداً نبيلاً.
الأردن يدرك أيضاً أن الرأي العام الأردني لا يقبل أن يكون البلد جزءاً من حرب تخدم إسرائيل، خصوصاً في ظل المأساة الفلسطينية والغضب الشعبي العميق من سياسات الاحتلال. ولذلك كان الموقف الأردني الرسمي واضحاً: لا استخدام للأرض الأردنية للاعتداء على أحد، ولا السماح في المقابل بأن تتحول الأرض الأردنية إلى ساحة عبور أو سقوط أو تصفية حسابات.
هذه هي المعادلة الوطنية الدقيقة: لا نفتح أرضنا لحرب، ولا نترك سماءنا مستباحة. لا نكون أداة في يد أحد، ولا نسمح لأحد أن يستخدمنا كجسر فوق رؤوس مواطنينا. وهذه ليست ازدواجية، بل عقل دولة يعرف أن الحياد لا يعني العجز، وأن السيادة لا تُحمى بالشعارات فقط، بل بالقرار والعمل والجاهزية.
لذلك، فإن وصف الأردن بأنه "شريك خفي” هو توصيف يخدم الرواية الإسرائيلية أكثر مما يعكس الحقيقة الأردنية. الأردن ليس شريكاً خفياً في حرب أحد، بل دولة مكشوفة على الخطر بحكم الجغرافيا، وتتصرف بمنطق حماية النفس لا بمنطق خدمة الغير.
والأردنيون، وهم أكثر الناس حساسية تجاه فلسطين ورفضاً للعدوان، يعرفون في الوقت نفسه أن حماية الأردن ليست ترفاً ولا خيانة لأحد. فالوطن الذي لا يحمي سماءه لا يستطيع أن يحمي موقفه السياسي. والدولة التي تسمح لحروب الآخرين أن تمر فوق بيوتها، تفقد حقها في أن تقول إنها تمارس السيادة.
الخلاصة أن الأردن لم يختر موقعه الجغرافي، لكنه اختار أن يديره بعقل الدولة لا بانفعال الشارع ولا برغبات الإعلام الإسرائيلي. ومن حق الشعب الأردني أن يسمع الحقيقة بلا تزوير: ما فعله الأردن لم يكن دفاعاً عن إسرائيل، بل دفاعاً عن الأردن أولاً. فبين نار المحاور وحسابات الحرب، بقيت عمّان تقول: لسنا في حرب أحد، لكن سماءنا ليست مباحة لأحد.
