حين تضيق مساحة الإعلام لا تختفي الحقيقة بل تبحث عن نافذة أخرى وحين يشعر المواطن أن الوصول إلى المعلومة أصبح أكثر صعوبة وأن الحديث عن قضايا الفساد لم يعد بالقدر الذي يطمح إليه فانه يبحث عمن يجيب عن أسئلته حتى وإن كان ذلك من خلال شخصية مجهولة الهوية تحمل اسماً مستعاراً مثل "الجنرال”.

لقد استطاع "الجنرال” أن يتحول في وقت قصير إلى ظاهرة يتابعها الأردنيون بشغف وليس السبب على الأرجح أن الناس مولعة بالغموض أو مفتونة بالأسماء المستعارة وإنما لأنها متعطشة للمعلومة فالمواطن يريد أن يعرف ماذا يجري داخل المؤسسات ، أين تذهب الأموال العامة ،ولماذا تتكرر بعض مظاهر المحسوبية والواسطة والفساد التي يتحدث عنها الناس في مجالسهم؟

إن التجربة الإنسانية تؤكد أن المعلومة لا تعرف الفراغ فإذا غابت عن وسائل الإعلام المهنية بحث الناس عنها في فضاءات أخرى ، ولذلك فإن ازدهار الحسابات المجهولة لا يكون عادة سبباً للأزمة بل يكون في كثير من الأحيان نتيجة لها.

ولا يخفى على أحد أن تناول قضايا الفساد قد أصبح في بعض الأحيان أمراً بالغ الحساسية وهو ما يجعل كثيراً من الصحفيين والإعلاميين أكثر حذراً في الاقتراب من بعض الملفات خشية الوقوع في نزاعات قانونية أو مساءلات قضائية ، والنتيجة الطبيعية لذلك أن تتقلص مساحة النقاش العام بينما يزداد تعطش الناس لأي مصدر يقدم لهم معلومات أو روايات عما يجري.

وفي هذا المناخ ظهر "الجنرال” فوجد جمهوراً واسعاً ينتظر كل ما ينشره ويرى كثير من متابعيه أنه يسعى إلى تسليط الضوء على ملفات تتعلق بالمال العام ومظاهر المحسوبية والتجاوزات الإدارية انطلاقاً من حرصه على مصلحة الأردن ومستقبل مؤسساته ، وبالنسبة لهؤلاء فان قيمة ما يطرحه لا تكمن في شخصه أو اسمه بل في اعتقادهم بأن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية قبل أن تكون قضية سياسية.

لكن في المقابل فان أي حديث عن الفساد يجب أن يبقى مرتبطاً بالمهنية وبالتحقق من المعلومات واحترام الإجراءات القانونية حتى لا تتحول مكافحة الفساد إلى ساحة للشائعات أو الاتهامات غير المثبتة فالدفاع عن النزاهة لا يكتمل إلا بالدقة والحرص على العدالة واحترام حقوق جميع الأطراف.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الإعلام الحر والمسؤول لا يهدد الدولة بل يحميها فالرقابة الإعلامية ليست بديلًا عن القضاء أو الأجهزة الرقابية وإنما شريك لها ، فالمسؤول الذي يعلم أن أداءه قد يكون موضع متابعة ونقاش علني يكون أكثر حرصاً على الالتزام بالقانون وأكثر ادراكاً أن المنصب تكليف لا تشريف.

ولعل المرحلة التي شهدت اتساعاً نسبياً في مساحة النقاش العام في المنطقة العربية قدمت مثالاً على ذلك فقد أصبحت ملفات كثيرة تناقش علناً وازداد اهتمام المؤسسات بسمعتها أمام الرأي العام وشعر كثير من المسؤولين بأن أعين المواطنين والإعلام تراقب أداءهم ورغم أن الفساد لم يختفي إلى ان اتساع دائرة الرقابة المجتمعية أسهم في الحد من كثير من التجاوزات لأن الفاسد لا يخشى القانون وحده بل يخشى أيضاً انكشاف أمره أمام الناس.

إن أخطر ما يواجه الفساد ليس العقوبة وحدها وإنما الضوء ، فالفساد ينمو في الظلام ويضعف كلما اتسعت دائرة الشفافية وكلما أصبحت المعلومة متاحة للمواطن وكلما شعر المسؤول أن المجتمع يراقب ويحاكم أخلاقياً قبل أن يحاكم قانونياً .

ولذلك أن ظاهرة "الجنرال” ينبغي ألا تقرأ بوصفها قصة حساب مجهول بل بوصفها رسالة تقول إن المجتمع لا يزال يؤمن بأهمية كشف الفساد وإن الأردنيين يتطلعون إلى دولة أكثر شفافية وإعلام أكثر قدرة على طرح الأسئلة ومؤسسات أقوى في حماية المال العام ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه أياً كان موقعه.

إن الأردن بقيادته ومؤسساته وشعبه لا يخسر شيئاً من تعزيز الشفافية بل يربح ثقة مواطنيه فالأوطان لا تبنى بالصمت على الأخطاء وإنما ببناء مؤسسات قوية وإعلام مهني وقضاء مستقل ورقابة فاعلة ومواطن يشعر أن صوته مسموع وأن المال العام أمانة لا يجوز العبث بها.

قد يختفي "الجنرال” يوماً وقد يظهر غيره لكن الفكرة ستبقى ما دام الناس يبحثون عن الحقيقة خارج المؤسسات الإعلامية فالرسالة ليست في هوية من يتكلم بل في الحاجة إلى بيئة تجعل الحقيقة متاحة والشفافية قاعدة والمساءلة نهجاً دائماً ، فحين يجد المواطن المعلومة من مصادرها الموثوقة لن يضطر للبحث عنها خلف الأسماء المستعارة لأن الحقيقة ستكون عندها أقوى من أي أسم .