وثيقة حماس و"وثيقة" كيسنجر
د. حسن البراري
جو 24 :
في عام 1997 أوصل الملك حسين رحمه الله رسالة للطرف الإسرائيلي ينقل فيها عرض حماس هدنة تصل إلى ثلاثين عاما، لكن وبعد ثلاثة أيام قام الموساد الإسرائيلي بمحاولة فاشلة لاغتيال خالد مشعل في عمان، اشتاط الملك غضبا واعتبر أن ما قامت به إسرائيل طعنة في الخلف الأمر الذي يفسر تصلب موقف الملك حسين الذي أجبر نتنياهو على الامتثال لجملة من المطالب من ضمنها الافراج عن مؤسس الحركة وزعيمها الروحي الشيخ احمد ياسين. وهنا استشهد بكتابين الأول هو كتاب رئيس الموساد السابق افرايم هليفي المعنون ب "رجل في الظلال" والثاني هو كتاب آفي شليم عن "أسد الأردن" وفيهما شرح عن هذه القصة بالتحديد وبخاصة افرايم هليفي الذي استحضره نتنياهو من بروكسل ليتدخل عند الملك لحل الأزمة.
وحقيقة الأمر أن قادة حماس بشكل أو بآخر لم يتوقفوا عن ارسال اشارات تفيد بأن الحركة تدرك جيدا أن هناك حدودا لمشروع المقاومة وأنها تقبل بأقل بكثير من تصريحاتهم أو من ميثاقهم المؤسس للحركة، ولم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها قادة حماس أنهم يوافقون على اقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود عام 1967 وبخاصة بعد أن تحكمت الحركة بقطاع غزة واصبح الصراع على السلطة أمرا لافتاً ويكتسب أولوية على كثير من القضايا النضالية التي ترفع كشعارات للتعبئة والحشد ولنزع الشرعية عن المنافسين الآخرين.
الكثيرون يشبهون ما تمر به حماس من تغيير وتطوير بما مرت به منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينات القرن الماضي عندما ايضا استبطنت أن هناك قيوداً للكفاح المسلح لا يمكن تجاوزها وأن هناك ضرورة للتعاطي بإيجابية وعقلانية مع منظومة اقليمية ودولية بالغة التعقيد. لكن ينبغي أن لا يغيب عن البال مسألة في غاية الأهمية برزت على أثر تهديد هنري كيسنجر لرئيس حكومة إسرائيل عام 1975 بإعادة تقيم العلاقات الأمريكية الاسرائيلية إن اصرت إسرائيل على موقفها المتصلب ازاء اتفاقية سيناء الثانية لفلك الاشتباك بين القوات المصرية والاسرائيلية على أثر حرب اكتوبر. في مطار بن غوريون قال كيسنجر لحظة مغادرته اسرائيل لرابين أن عدم استجابة إسرائيل للجهود الأمريكية يحزنه كيهودي لأن بلاده ستقوم بإعادة تقييم العلاقات مع اسرائيل الأمر الذي اثمر وافضى الى انسحاب اسرائيل من ممري الجدي ومتلا في عمق شبه جزيرة سيناء.
الأهم في محاولات كيسنجر أنه تعهد لإسرائيل بان الولايات المتحدة لن تجري أية مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية إلا إذا وافقت الأخيرة على ثلاثة شروط هي: الاعتراف بإسرائيل، قبول قراري مجلس الأمن 242 و 338 ونبذ العنف. وبالفعل كان ذلك بمثابة وثيقة التزمت به كل ادارتي كارتر وريغان، وفي عام 1988 وعلى أثر قرار فك الارتباط استجابت منظمة التحرير الفلسطينية للشروط الامريكية الثلاث وبدأ حوار بين المنظمة والسفير الأميركي في تونس آنذاك. وشكل كل ذلك مدخلا لعملية أوسلو وما ترتب عليها من اعتراف رسمي اسرائيلي بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني.
حماس التي برزت بالمشهد السياسي مع نهاية عام 1987 فضلت مقاربة تستند على مبدأين: تكامل أراضي فلسطين وما يعنيه ذلك من ضرورة ازالة دولة إسرائيل، ثانيا، تبني المقاومة المسلحة كنهج لتحقيق هدف اقامة دولة فلسطينية على كامل تراب فلسطين التاريخية. وبالفعل، رفضت حماس اتفاق أوسلو وبدأت بشن عمليات استهدفت اسرائيل واستهدفت عملية السلام، وبعد اغتيال يحي عياش في شهر شباط 1996 قامت حماس بعمليات ضد اهداف مدنية في القدس الغربية وفي تل أبيب ما ساهم بشكل لافت الى سقوط بيرس في الانتخابات ووصول اليمين الإسرائيلي الرافض لأوسلو الى سدة الحكم لتضع نهاية لعملية السلام. فالقاسم المشترك حينها بين حماس واليمين الاسرائيلي هو الرغبة في قتل عملية السلام. في الاثناء بحثت حماس عن هدنة حتى يتسنى لها جمع صفوفها واعادة ترتيب اوراقها الأمر الذي رفضه الجانب الاسرائيلي الذي فضل رفع الكلفة على المقاومة حتى تستسلم وفقا لنظرية الحائط الحديدي الذي وضعها جابوتنسكي عام 1923.
مع انطلاق انتفاضة الأقصى وهجمات الحادي عشر من سبتمبر اصبح التعاطف مع القضية الفلسطينية في المحافل الدولية مختلف، والحق أن ارئيل شارون تمكن من وضع حربه الخاصة ضد عرفات وضد مشروع السلام برمته في سياق الحرب الدولية ضد الارهاب، فانحازت واشنطن بقيادة بوش الابن الى مقاربة اليمين الاسرائيلي وتركت اسرائيل تخلق وقائعا على الارض سيكون لها كلفة باهظة على معسكر السلام الفلسطيني. لن ادخل في تفاصيل المشهد السياسي الفلسطيني لكن يكفي الاشارة إلى ان الانقسام الفصائلي الحق ضررا بالغا في وحدة الصف الفلسطيني وخلق صراعا سيرياليا على سلطة تحت الاحتلال، وهو صراع شجعته كوندليسا رايس عندما تحدثت عن فتح ستان وحماستان. بمعنى أن الفصائل الفلسطينية اخفقت في التوصل إلى هدف استراتيجي متفق عليه تكون المنافسة السياسية تحته.
بعد الربيع العربي وبعد بروز الارهاب بشكله البشع وتفكك سوريا وبروز محور "سني" متحالف مع إسرائيل ضد إيران بدأ هامش المناورة لدى قادة حماس بالانحسار، وبالفعل بدأ القادة ومنذ عام 2012 بالبحث عن وثيقة جديدة لتأهيلهم حتى تصبح الحركة لاعبا سياسيا مقبولا على المستوى الدولي فجاءت هذه الوثيقة أملا في كسر الجمود الحاصل. والسؤال هو هل ستنجح الحركة بوثيقتها الجديدة في تحريك المياه الراكدة؟
حتى لا نكون كمن يدس رؤوسهم في الرمال، علينا أن نعترف على الاقل في داخل انفسنا أن الوثيقة جاءت نتيجة لانكشاف استراتيجي كبير لهذه الحركة التي بدت من دون حلفاء حقيقيين، وهي وثيقة ربما مرتبطة برغبة قادة حماس بالبقاء السياسي لهم ولتنظيمهم لكن الجانب الإسرائيلي والدولي يعرفان جيداً أن الوثيقة – وإن احتوت على اشارات ايجابية – إلا أنها لن تف بالغرض، فربما تكون بداية التأهيل وتوطئة لتغيير حقيقي في موقف التنظيم وهذا يقودنا إلى شروط الرباعية الدولية، فحماس لن تتمكن من اقامة دولة فلسطينية دون التفاهم مع اسرائيل.
لم تقل لنا الوثيقة عن كيف ستصل حماس إلى دولة مستقلة على اساس حدود عام 1967، ولماذا يتعين على إسرائيل أن تسمح لهم بذلك إلا اذا كان ذلك في سياق معاهدة سلام تنهي حالة الحرب مرة وللأبد. هل سيتمكن تنظيم حماس من اجبار اسرائيل على الانسحاب، وكيف؟ بتقديري أن حتى نفهم وثيقة حماس علينا أن نعود مرة أخرى لوثيقة كيسنجر وشروط الرباعية، وربما ارادت حماس جس النبض والبدء بعملية تحول تدريجية في السنوا ت القادمة وهذا أمر وارد. كما أنه ينبغي أن لا نسقط سيناريو أوسلو والقناة الخلفية من حسابتنا.








