يعيد تشارلز بوكوفسكي، الكاتب الأمريكي المعروف بواقعيته القاسية في تصوير الهامش الإنساني، طرح رؤية صادمة حين يقول "الناس لا يفكرون في هول الظلم إلا بعد أن ينهشهم بأنيابه" طرح سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في جوهره يمسّ بنية الوعي السياسي والأخلاقي في المجتمعات الحديثة: لماذا لا يتحول الظلم إلى إدراك جمعي إلا بعد أن يصبح تجربة شخصية مباشرة؟!
في الواقع، لا يظهر الظلم دائماً كحدث صادم أو استثنائي، بل كمنظومة متراكمة من الاختلالات التي تُدار داخل حدود "المألوف السياسي". ولهذا السبب تحديداً لا يُواجه بوصفه ظلماً، بل يُتَعامل معه بوصفه امتداداً طبيعياً للبنية السياسية والاجتماعية القائمة.
هنا يحدث الانفصال الخطير بين وجود الظلم وبين الإحساس به، بين الحقيقة الموضوعية وبين الوعي بها.
ما يطرحه تشارلز بوكوفسكي لا يتعلق فقط بسلوك فردي، بل بمنطق عام يحكم إدراك الإنسان للعدالة: الوعي الأخلاقي لا يتقدم على التجربة، بل يتأخر عنها. أي أن العدالة في كثير من الأحيان لا تُستدعى بوصفها مبدأً كونياً، بل بوصفها رد فعل على ألم شخصي أو تهديد مباشر للمصلحة الذاتية. وهذا ما يفسر لماذا تتفاوت حساسية المجتمعات تجاه مظاهر الظلم نفسها، رغم تشابهها الموضوعي.
في السياق السياسي، يتحول هذا النمط من الإدراك إلى عنصر استقرار غير معلن للأنظمة القائمة، سواء كانت عادلة أو مختلة. فحين يبقى الألم محصوراً في فئات محددة، لا يتشكل ضغط كافٍ لإنتاج تغيير سياسي أو إصلاح جذري. وبذلك لا يصبح الظلم مشكلة سياسية إلا عندما يتجاوز حدوده الفردية أو الفئوية ويبدأ في التوسع أفقياً داخل المجتمع.
وتتعمق هذه الإشكالية في بنية الدولة الحديثة، حيث لا تكفي القوانين والمؤسسات لضمان العدالة، ما لم تتحول إلى شعور جمعي بفاعليتها. فالقانون قد يكون حاضراً، لكن غيابه في التجربة اليومية لبعض الفئات يصنع فجوة بين "العدالة المعلنة" و"العدالة المعيشة"، وهي فجوة غالباً ما تُدار بدل أن تُحل.
كما تلعب وسائل الإعلام الحديثة دوراً معقداً في تشكيل هذا الإدراك. فهي لا تنقل الظلم فقط، بل تعيد ترتيبه وفق منطق الاهتمام والانتشار. بعض الانتهاكات تتحول إلى قضايا مركزية لأنها قابلة للتداول والتمثيل الإعلامي، بينما تبقى انتهاكات أخرى خارج المشهد العام، رغم أنها قد تكون أعمق وأكثر استمراراً. وهكذا لا يُقاس حضور الظلم بوجوده، بل بمدى قابليته للظهور.
في المحصلة، تكشف مقولة بوكوفسكي عن مفارقة بنيوية في السياسة الحديثة: أن العدالة لا تتعطل فقط بسبب غياب القوانين، بل بسبب تأخر الوعي بها. وأن الإنسان، فرداً وجماعة، لا يدرك هشاشة العدالة إلا حين يتعرض هو نفسه لغيابها. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن بناء وعي سياسي وأخلاقي يسبق الألم ولا ينتظره، أم أن العدالة ستظل دائماً مرتبطة بحدوث الضرر أولا، ثم التفكير فيه لاحقاً؟
