jo24_banner

بين ضغط هرمز واستحقاقات السياسة: لماذا أصبحت التسوية مصلحة مشتركة لجميع الأطراف ؟

اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جو 24 :
 
في ذروة التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مواجهة مفتوحة طويلة الأمد. لكن خلف ضجيج الحرب وخطابات التحدي، تتشكل معادلة أكثر براغماتية: أطراف الصراع الرئيسية بات لكل منها مصلحة حقيقية في الوصول إلى اتفاق يوقف الحرب ويمنع انزلاقها نحو استنزاف شامل لا يمكن التحكم بنتائجه.

التسريبات التي تحدثت عنها صحيفة The Wall Street Journal بشأن صياغة مذكرة تفاهم من 14 نقطة بين وسطاء أمريكيين وإيرانيين ليست مجرد تفصيل تفاوضي عابر، بل مؤشر على أن مختلف الأطراف بدأت تدرك أن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها المحتملة.

هرمز.. من ورقة ضغط إلى عبء على الجميع

منذ بداية الأزمة، تحول مضيق هرمز
إلى مركز الثقل الحقيقي في الصراع. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر بحري، بل شريان الطاقة العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الاقتصاد الدولي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد.

إيران تدرك أن قدرتها على التأثير في الملاحة داخل المضيق تمنحها ورقة ردع استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية. لكن هذه الورقة نفسها بدأت تتحول تدريجياً إلى عبء داخلي عليها، لأن استمرار التوتر يفاقم الضغوط الاقتصادية على المجتمع الإيراني، ويرفع كلفة الاستيراد والتأمين والشحن، ويزيد من عزلتها المالية.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري والبحري، لا تستطيع تجاهل التداعيات الاقتصادية والسياسية لاستمرار الأزمة. فارتفاع أسعار الطاقة عالمياً لا يضر فقط بالاقتصادات المنافسة، بل ينعكس أيضاً على الداخل الأمريكي، خصوصاً مع حساسية الناخب الأمريكي تجاه أسعار الوقود والتضخم.

ترامب وحسابات الانتخابات

بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، فإن المسألة لا تتعلق فقط بإدارة صراع خارجي، بل أيضاً بإدارة توقيت حسابات سياسية داخلية بالغة الحساسية. فمع اقتراب الانتخابات النصفية، يصبح أي اضطراب اقتصادي طويل الأمد عبئاً انتخابياً قد تستثمره المعارضة الديمقراطية بقوة.

الإدارة الأمريكية تدرك أن الناخب الأمريكي قد يتسامح مع التصعيد العسكري المحدود، لكنه أقل استعداداً لتحمل موجات تضخم وارتفاع أسعار الوقود وتراجع الاستقرار الاقتصادي. ولهذا يبدو أن البيت الأبيض يسعى إلى تحقيق "إنجاز تفاوضي” يسمح له بإظهار الحزم من جهة، والقدرة على احتواء الأزمة من جهة أخرى.

ومن هنا يمكن فهم الحراك الدبلوماسي المتسارع، ومحاولة بناء إطار تفاوضي سريع حتى لو كان مؤقتاً أو هشاً في مرحلته الأولى.

إيران أيضاً تبحث عن مخرج

في الجانب الإيراني، تبدو الحاجة إلى التهدئة أكثر إلحاحاً مما تظهره الخطابات الرسمية. فالعقوبات، والحصار البحري غير المباشر، والضغوط الاقتصادية الداخلية، تجعل من استمرار الحرب خياراً مكلفاً للغاية.

طهران تدرك أنها نجحت في إثبات قدرتها على إرباك المشهد الإقليمي وتهديد المصالح الغربية في الخليج، لكنها تدرك أيضاً أن تحويل هذا النفوذ إلى مكسب سياسي مستدام يحتاج إلى تسوية، لا إلى حرب مفتوحة بلا سقف زمني.

ولهذا فإن انفتاحها على مناقشة ملفها النووي، وفق ما ورد في التسريبات، يعكس محاولة لإعادة إنتاج معادلة تفاوضية جديدة: الحفاظ على الحد الأدنى من المكاسب السيادية والاستراتيجية، مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية ومنع الانهيار الشامل.

الدولة الصهيونية أيضاً أمام حسابات الاستنزاف

ورغم أن تل أبيب كانت تاريخياً من أكثر الأطراف دفعاً نحو تشديد الضغوط على طهران ، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة بدأ يفرض عليها بدوره أثماناً أمنية واقتصادية واستراتيجية متزايدة.

فالحرب المفتوحة تستنزف الجبهة الداخلية لدولة الاحتلال ، وتبقي حالة الاستنفار العسكري والأمني في أعلى مستوياتها، فضلاً عن تأثيراتها المباشرة على الاقتصاد والاستثمار والسياحة وثقة الأسواق. كما أن اتساع نطاق التوتر الإقليمي يرفع احتمالات تعدد الجبهات، سواء في الشمال أو البحر الأحمر أو حتى عبر استهداف المصالح الصهيونية والغربية في المنطقة.

إضافة إلى ذلك، فإن تل ابيب تدرك أن استمرار الاضطراب في مضيق هرمز وما يرافقه من ارتفاع عالمي في أسعار الطاقة قد يولد ضغوطاً متزايدة على حلفائها الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع هذه العواصم إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية بعيداً عن رؤية حكومة نتنياهو القائمة على التصعيد المستمر.

ومن هذا المنطلق، قد تجد تل أبيب نفسها معنية ـ ولو بصورة غير معلنة ـ بدعم تسوية مؤقتة تضبط إيقاع المواجهة وتمنع تحولها إلى حرب استنزاف إقليمية شاملة يصعب التحكم بمساراتها ونتائجها.

السعودية ودول الخليج.. عامل ضغط إضافي

التقارير التي تحدثت عن رفض السعودية استخدام قواعدها وأجوائها لإعادة فتح المضيق بالقوة تعكس بدورها حقيقة مهمة: حتى الحلفاء الإقليميون لواشنطن لا يريدون حرباً واسعة في الخليج.

دول المنطقة تدرك أن أي انفجار شامل لن يكون محصوراً بين واشنطن وطهران، بل ستكون ارتداداته مباشرة على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي والاستثمارات والبنية التحتية الحيوية. ولذلك يتزايد الميل الإقليمي نحو دعم مسار التهدئة بدلاً من الانخراط في مغامرة عسكرية مفتوحة.

تسوية مؤقتة أم بداية لتحول أكبر؟

حتى الآن، لا تزال القضايا الجوهرية عالقة، مثل مستقبل تخصيب اليورانيوم، وآلية الرقابة على البرنامج النووي الإيراني، ودور طهران في الإشراف على أمن مضيق هرمز . لكن مجرد الانتقال من منطق التصعيد إلى منطق التفاوض يحمل دلالة استراتيجية مهمة.

فالطرفان وصلا على ما يبدو إلى قناعة مشتركة بأن الحرب قد تكون مفيدة كأداة ضغط، لكنها خطيرة كمسار طويل الأمد. ومع اتساع دائرة الاستنزاف، تبدو حتى تل أبيب معنية بعدم تحول المواجهة إلى انفجار إقليمي شامل يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تشهد "سلاماً” بالمعنى التقليدي، لكنها قد تشهد إدارة أكثر براغماتية للصراع، قائمة على احتواء التوتر بدلاً من تفجيره.

وفي عالم تحكمه المصالح أكثر من الشعارات، تبدو هذه البراغماتية اليوم الخيار الأقل كلفة لواشنطن وطهران وتل أبيب معاً.

 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير