في وقتٍ تتكرر فيه شكاوى الازدحام وطول الانتظار، اختارت وزارة الصحة أن تعالج الخلل من جذوره لا من أعراضه. قرار وزير الصحة تفعيل الدوام المسائي في المراكز الصحية—بعد نجاح التجربةفي المراكز الصحية الشاملة حول مستشفى البشير—يمثل انتقالاً نوعياً من إدارة الخدمة بمنطق المؤسسة، إلى تصميمها وفق احتياجات المواطن.

البيانات التي استندت إليها الوزارة كانت حاسمة: نحو 70% من مراجعي أقسام الطوارئ يقصدونها في الفترة المسائية، وغالبية هذه الحالات بسيطة لا تستدعي وجودها في المستشفى أصلاً. أمام هذا الواقع، لم يكن الحل في توسيع الطوارئ، بل في إعادة توجيه الطلب عبر فتح مسار بديل منطقي: مراكز صحية قريبة، تعمل في الوقت الذي يحتاجه الناس، وتقدم خدمات متكاملة تغني عن اللجوء غير الضروري للمستشفيات.

وهنا تبرز نقطة مركزية في تقييم القرار: أنه لم يُبنَ على الانطباع أو الاستجابة الآنية للضغط، بل على قراءة رقمية للواقع الصحي. أي أنه قرار قائم على الأدلة (Evidence-Based Decision Making)، حيث تُستخدم البيانات الفعلية—نسب المراجعين، توقيت الذروة، ونوع الحالات—كأساس لتصميم التدخل، لا الحدس الإداري أو التقدير العام.

لكن ما يمنح هذه الخطوة أهميتها الأعمق يتجاوز بعدها التنظيمي؛ فهي تمثل أيضاً تطبيقاً عملياً لنهج الرعاية المتمحورة حول المريض(Patient-Centered Healthcare)، الذي يعيد تعريف الخدمة الصحية من كونها منظومة تشغيلية إلى كونها تجربة تُبنى حول احتياجات المريض الفعلية.

من خدمة تُقدَّم… إلى تجربة تُصمَّم

في النموذج التقليدي، كان المواطن يُطلب منه التكيّف مع النظام: ساعات دوام محدودة، خدمات موزعة، ومسارات علاجية معقدة ومرسومة. أما في النهج المتمحور حول المريض، فتنقلب المعادلة: يُعاد تصميم النظام ليتكيّف مع حياة المواطن وظروفه واحتياجاته. ويعكس الدوام المسائي هذا التحول بوضوح:

§ الخدمة تُقدَّم في الوقت الذي يحتاجه الناس، لا في الوقت الذي يناسب المؤسسة.

§ الرعاية تُوجَّه إلى أقرب نقطة للمريض، لا إلى أكثرها ازدحاماً.

§ المسار العلاجي يصبح أوضح وأسرع مع تقليل الهدر في الوقت والجهد.

§ إمكانيات اقسام الطواريء في المستشقيات توجه لخدمة مرضى الطواريء الحقيقيين.

بهذا المعنى، نحن لا نتحدث عن تمديد ساعات العمل فقط، بل عن إعادة هندسة كاملة لرحلة المريض داخل النظام الصحي. والإستغلال الأمثل للموارد المتاحة.

استعادة وظيفة الطوارئ

سنوات من الاستخدام غير المنضبط جعلت أقسام الطوارئ تستقبل حالات لا تحتاجها، من البسيطة إلى الحرجة، ما أدى إلى ضغط كبير ينعكس سلباً على جودة الاستجابة. الدوام المسائي في المراكز الصحية يعيد ضبط هذا الخلل:

§ الحالات البسيطة تُعالج في بيئة مناسبة وأقل ازدحاماً

§ الحالات الطارئة تحصل على الأولوية التي تستحقها

وهنا تتجلى الفكرة الأساسية: تحسين الكفاءة لا يتحقق فقط بزيادة الموارد، بل باستخدامها بشكل أدق وأذكى.

الزرقاء كنقطة اختبار… والتعميم كهدف

توسيع التجربة إلى الزرقاء، بما تمثله من كثافة سكانية وضغط على الخدمات، يشكل اختباراً عملياً لصلابة النموذج. فإذا أثبت نجاحه، فإننا أمام إمكانية حقيقية لإعادة رسم خريطة تقديم الرعاية الصحية على مستوى المملكة. لكن الاستدامة تتطلب عناصر موازية: توفر مستمر للأدوية، توسيع صلاحيات الأطباءفي وصف الدواء والفحوصات المخبرية خصوصاً الأمراض المزمنة، وجاهزية بشرية وبنية تشغيلية قادرة على الاستمرار. لأن أي خلل في هذه المنظومة يقلل من ثقة المواطنيين في المراكز الصحية وقد يعيد إنتاج المشكلة بشكل جديد.

المواطن شريك في النجاح

كما أعادت الوزارة تصميم الخدمة، يبقى على المواطن أن يواكب هذا التحول في السلوك. نجاح التجربة يعتمد على وعي بسيط لكنه حاسم:

§ الطوارئ للحالات الطارئة فقط

§ والمراكز الصحية المسائية للحالات البسيطة والمتابعة

عندها فقط يتحول القرار من إجراء إداري إلى ثقافة صحية عامة.

الخلاصة

ما نشهده اليوم ليس مجرد توسعة في ساعات العمل، بل تحول في فلسفة الإدارة الصحية: قرار يُبنى على البيانات، ويُصمم حول المريض، ويُنفذ وفق منطق الكفاءة.

باختصار: حين تُعاد هندسة الخدمة وفق مبدأ "المريض أولاً"، وبقرارات قائمة على الأدلة (Evidence-Based Decision Making)، تتحول الرعاية الصحية من نظام يدار تلقائيا… إلى نظام ذكي متبصر يُحسّن حياة الناس فعلياً.

ونأمل ان يكون هذا النهج بداية للإصلاح الشامل لمنظومة الرعاية الصحية في اردننا الغالي وأن لايتوقف بتغيير الوزير او صاحب القرار.