كتبتُ هذا المقال قبل ثلاثة أعوام بمناسبة تتويج نادي الحسين إربد بلقب دوري المحترفين للمرة الأولى في تاريخه، وأعيد نشره اليوم بشيء من التعديل والتصرف، تزامناً مع تحقيقه اللقب مرة أخرى هذا العام، في إنجاز يؤكد مكانة النادي وحضور جماهيره وانتماءه العميق لمدينة إربد.
يُعدّ فوز نادي الحسين إربد هذا العام ببطولة الدوري الأردني الممتاز لكرة القدم للمحترفين حدثاً تاريخياً في مسيرة النادي والرياضة الأردنية عموماً، إذ أحرز اللقب للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 1964، رغم أنه يُصنَّف من أعرق الأندية الأردنية وأكثرها حضوراً في المنافسات المحلية. وخلال تاريخه الطويل، حقق النادي عدداً من الإنجازات، أبرزها الفوز بدرع الاتحاد ثلاث مرات، وكأس السوبر مرة واحدة، إضافة إلى بطولات متعددة في كرة اليد والفئات العمرية المختلفة، إلا أن بطولة دوري المحترفين بقيت الحلم الأكبر الذي استعصى على النادي لعقود، رغم وصوله إلى المباراة النهائية واحتلاله مركز الوصيف مرات عديدة.
ويمثل نادي الحسين مدينة إربد، المدينة الشمالية التي تُعد واحدة من أكثر المدن الأردنية تنوعاً من حيث التركيبة الاجتماعية والسكانية. فقد احتضنت المدينة عشائر أردنية من مختلف مناطق المملكة، إلى جانب الأردنيين من أصول فلسطينية الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكانها، إضافة إلى عائلات من أصول شامية ومسيحية، فضلاً عن أبناء القرى المحيطة بها. هذا التنوع منح المدينة طابعاً مدنياً متكاملاً، وجعل نادي الحسين انعكاساً حقيقياً لهوية إربد الجامعة، حيث ضمت تشكيلاته الرياضية أبناء المدينة والقرى المجاورة بمختلف أصولهم وخلفياتهم الاجتماعية.
ومن هنا، تميّز جمهور نادي الحسين عن غيره من الجماهير الرياضية في الأردن؛ إذ انطلق تشجيعه للنادي من الانتماء للرياضة أولاً، وللمدينة ثانياً، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة أو الانقسامات الاجتماعية. فمشجع الحسين كان يرى في النادي ممثلاً لمدينة إربد بكل مكوناتها، تماماً كما ترتبط جماهير أندية المدن الكبرى حول العالم بأنديتها بوصفها امتداداً لهوية المدينة وروحها، مثل مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وباريس سان جيرمان وروما. ولذلك، شكّل نادي الحسين حالة رياضية ومدنية مختلفة في المشهد الكروي الأردني، لأن الرابط الأساسي بين جمهوره وناديه كان حب الرياضة والانتماء للمدينة، لا الاعتبارات الإقليمية أو الأصول الاجتماعية.
وعلى امتداد سنوات طويلة، شعر كثير من متابعي النادي بأن الحسين لم يحظَ بما يستحقه من إنصاف داخل المنافسات المحلية، خصوصاً مع تكرار خسارته للقب الدوري في محطات عديدة رغم المستويات القوية التي كان يقدمها. ويرى أبناء تلك المرحلة أن كرة القدم الأردنية بقيت لعقود رهينة الاستقطاب التقليدي بين ناديي الفيصلي والوحدات، وهو استقطاب تجاوز البعد الرياضي في كثير من الأحيان ليأخذ أبعاداً اجتماعية وهوياتية انعكست بوضوح على المدرجات وأجواء المنافسات.
وفي المقابل، بقي نادي الحسين يُعرف بوصفه "نادي إربد”، أي النادي الذي يجمع أبناء المدينة على اختلاف أصولهم تحت مظلة الرياضة والانتماء المدني. وربما لهذا السبب اكتسبت بطولة الدوري التي حققها هذا العام قيمة تتجاوز مجرد الفوز الرياضي، لأنها مثّلت انتصاراً لفكرة النادي الجامع، ولثقافة التشجيع القائمة على حب الرياضة والمدينة معاً، بعيداً عن الانقسامات التي أثّرت طويلاً على المشهد الكروي الأردني وعلى الحياة الاجتماعية بشكل عام.
