بني هاني يكتب: حين تصبح الجباية أهم من الحياة
جو 24 :
كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -
شكراً لصديقي سليم أبو الأمين الذي أخبرني عن حادثة مثيرة في مدينة أوستنشيا، عاصمة المظاهر اللامعة واللاشيء المغلف بعناية، فقال بأن أحد المواطنين افتتح دكاناً صغيراً وعلّق فوقه إعلاناً جذاباً يقول فيه بيبسي بـ10 قروش. وذات ظهيرة حارة اقترب زبون متعب من الحرّ والعطش، وطلب بيبسي. فابتسم صاحب الدكان الأوستنشي بثقةِ موظفٍ في دائرة رسمية وقال " 20 قرشاً من فضلك" ! فاستغرب الزبون وقال " لكن الإعلان يقول إن البيبسي بـ10 قروش "! فردّ الرجل بهدوء إداري عظيم " صحيح … البيبسي بـ10 قروش، والخدمة بـ10 قروش ". فاضطر الزبون إلى دفع المبلغ كاملاً، لأنه، ككل مواطني أوستنشيا، لا يملك رفاهية الخيارات.
وبعد لحظات، أعاد له صاحب الدكان 10 قروش. فسأله الزبون بدهشة " لماذا أعدت لي نصف المبلغ؟ "
فأجابه الرجل ببرود فلسفي " ما في ببسي".
قد تبدو القصة نكتة عابرة، لكنها في الحقيقة واحدة من أدق النظريات السياسية التي كتبها التعب الشعبي دون أن يقصد. ففي الحكايات الساخرة تختبئ أحياناً دساتير غير مكتوبة، لأن الشعوب حين تفقد القدرة على المحاسبة، تبدأ بالشرح عبر الضحك. وفي أوستنشيا، لا تُقاس كفاءة الحكومة بما تنتجه، بل بما تستطيع فوترته. وهناك تتحول الخدمة إلى كائن مقدّس مستقل عن أية نتيجة فعلية. فقد تختفي السلعة، ويتبخر المشروع، وتنهار البنية التحتية، ويتآكل التعليم والصحة والنقل والعدالة، لكن رسوم الخدمة تبقى ثابتة كأنها قانون فيزيائي. فالبيبسي هنا ليست مجرد مشروب غازي؛ إنها الرمز الكامل لكل ما وُعد به النا؛ كفرص العمل، والكرامة، والتنمية، والعلاج، والمدارس، والطرق، والأمان الاقتصادي، وحتى فكرة الوطن القابل للحياة.
أما الخدمة، فهي ذلك الوحش الإداري غير المرئي الذي يستهلك الجميع دون أن يراه أحد، ويأتي على شكل
ضرائب، ورسوم، وطوابع، ومعاملات، وفروقات أسعار، وتحديثات، ومساهمات وطنية، وإعادة هيكلة، وتنظيم، ودعم مرفوع، وخطط إصلاح لا تموت حتى لو مات الواقع نفسه. والعبقرية السوداء في القصة ليست أن الرجل أخذ المال بلا بيبسي؛ بل أنه أعاد نصفه ليبدو عادلاً. وهنا تبدأ الفلسفة السياسية الحديثة في أكثر صورها دهاءً. فالسلطات لا تصادر الناس دفعة واحدة؛ إنها تمنحهم دائماً جرعات صغيرة من الإحساس بالإنصاف حتى يصبح الخراب قابلًا للتعايش. تعطيك تخفيضاً هامشياً لتُمرّر الفاتورة الكبرى.
وتلغي رسماً صغيراً بينما توسّع ماكينة الجباية كلها. وتعيد لك 10 قروش بينما تختفي البيبسي نفسها. وقد فهمت أنظمة كثيرة أن أخطر ما قد يحدث ليس الفقر، بل الوعي الكامل بحقيقة المعادلة. ولهذا لم يعد مطلوباً أن يشعر المواطن بالعدالة، بل فقط ألا يشعر بأنه ضحية بشكل فجّ.
في الأزمنة القديمة كانت الدولة تُعرَّف بأنها تحتكر العنف المشروع. أما في أوستنشيا، فيمكن تعريف الدولة، ساخرين، بأنها الجهة الوحيدة القادرة على فرض رسوم على شيء غير موجود! إنها عبقرية تحويل الفراغ إلى اقتصاد. فالطريق المتهالك له رسوم.
والبطالة تدفع ضريبة استهلاك. والانتظار أصبح خدمة قابلة للفوترة. والفقر نفسه صار مصدر دخل غير مباشر. وكلما سأل المواطن أين الببسي؟ جاء الرد الإداري الهادئ " المهم أن الخدمة مستمرة ". ومع مرور الزمن، يحدث التحول الأخطر وهو أن الشعوب تعتاد غياب البيبسي أكثر مما تعتاد المطالبة بها. ويتحوّل السؤال عن الحقوق إلى نوع من المثالية الساذجة، بينما يصبح التفاوض الحقيقي فقط على كلفة الخدمة فوق العدم. وهكذا يُولد جيل كامل لا يحلم بدولة فعّالة، بل فقط بدولة تخفّف قيمة الفاتورة قليلاً. وهذه ليست مجرد نكتة؛ إنها فلسفة الانحدار الناعم؛ حين تتحول الحكومة من منتجٍ للقيمة إلى مديرٍ محترف للجباية، ومن راعٍ للمجتمع إلى وسيطٍ مالي بين المواطن وأزماته. ومع ذلك، يبقى في السخرية شيء يشبه المقاومة. فالناس حين يضحكون على المأساة، فهم يرفضون، ولو سراً، أن تصبح طبيعية بالكامل. ولهذا كانت النكتة السياسية أخطر من الخطب الطويلة؛ لأن الخطبة تناقش السلطة. أما النكتة فتعرّيها في جملة واحدة. وربما يمكن اختصار قرنٍ كامل من الخيبات الحديثة بعبارة قالها ذلك الرجل الأوستنشي دون أن يدرك أنه يلخّص فلسفة سلطة كاملة " ما في بيبسي، لكن الخدمة شغّالة ".







