jo24_banner

الرد الإيراني المنتظر: سلام أميركي أم إدارة جديدة للحرب؟

الرد الإيراني المنتظر: سلام أميركي أم إدارة جديدة للحرب؟
جو 24 :
كتب -زياد فرحان المجالي

لم يعد الرد الإيراني المنتظر مجرد جواب على مقترح أميركي، بل صار اختبارًا لمستقبل الشرق الأوسط كله: هل تدخل المنطقة هدنة تقود إلى تسوية، أم تنتقل فقط من حرب مفتوحة إلى إدارة جديدة للصراع؟

فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل تتوقف الحرب؟

بل: من سيدير المنطقة بعد أن تهدأ المدافع؟ ومن سيمسك خرائط النفوذ، من هرمز إلى لبنان، ومن غزة إلى الخليج؟

الشروط الأميركية المسرّبة تبدو قاسية: تسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وقف التخصيب لسنوات طويلة، تفكيك أو تحييد منشآت نووية أساسية، منع النشاط النووي تحت الأرض، وقبول رقابة واسعة وآليات عقاب تلقائية عند أي خرق. وهذه ليست عودة إلى اتفاق 2015، بل محاولة لصناعة اتفاق جديد يُبقي إيران داخل حدود برنامج نووي مدني محدود، من دون عناصر القوة التي راكمتها خلال السنوات الماضية.

لكن السؤال الأهم: هل تستطيع إيران قبول ذلك؟

الأرجح أن طهران لن تذهب إلى رفض كامل، لأنها تدرك أن استمرار المواجهة والحصار المفتوح يحمل كلفة اقتصادية وأمنية وسياسية ثقيلة. لكنها في المقابل لن تمنح واشنطن اتفاقًا يسمح لترامب بإعلان "إخضاع إيران”. لذلك تبحث عن صيغة وسط: مرونة تفتح باب التسوية، وتشدد يمنع ظهورها بصورة الدولة المهزومة.

وهنا تبدأ الصورة الأوسع. فإيران لا تفاوض على النووي فقط، بل على موقعها في الإقليم. وواشنطن لا تبحث عن بند تقني فقط، بل عن إعادة ضبط ميزان القوة. أما إسرائيل، فتراقب الاتفاق المحتمل بقلق، لأنها تخشى أن تتحول التسوية الأميركية–الإيرانية إلى هدنة تمنح طهران وقتًا لترميم قوتها ونفوذها.

ومن خلال متابعة السلوك الأميركي والإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة، يبدو أن هناك تناغمًا عمليًا، أو توزيعًا غير معلن لهوامش الحركة، أكثر منه اتفاقًا موثقًا أو معلنًا. الولايات المتحدة تركز على إيران مباشرة: هرمز، الخليج، اليمن، الطاقة، والحصار البحري. وإسرائيل تتحرك في ساحات أخرى: غزة، لبنان، سوريا، والعراق.

وهذا توصيف سياسي لقراءة الوقائع، لا حديث عن وثيقة سرية أو تفاهم رسمي. لكن المؤكد أن كل طرف يبدو كأنه يتحرك ضمن مساحة تسمح للآخر بالعمل، ما دام الهدف العام واحدًا: إعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة.

لذلك تبدو المفارقة واضحة: واشنطن تتحدث عن التفاوض، لكنها لا تضغط بجدية لوقف كامل للتحركات الإسرائيلية في لبنان أو سوريا أو غزة. وإسرائيل تبدو أقل حماسة لاتفاق سريع، لأنها تريد استثمار اللحظة قبل أن تُجمّد أي تسوية محتملة الواقع العسكري القائم.

فإسرائيل لا تنظر إلى الاتفاق من زاوية النووي وحده، بل من زاوية اليوم التالي: هل ستخرج إيران أضعف؟ هل سيبقى حزب الله تحت الضغط؟ هل تبقى سوريا والعراق ساحات مفتوحة؟ أم أن واشنطن ستوقّع صفقة تمنح طهران فرصة لإعادة ترميم نفوذها؟
في المقابل، تدرك إيران خطورة فصل الساحات عن بعضها. لذلك تحاول ربط هرمز بالحصار، وربط التفاوض الإقليمي بالملف اللبناني، وربط أي تهدئة شاملة بوقف الضغط على حلفائها. فأسوأ سيناريو بالنسبة لطهران أن تُبرم واشنطن اتفاقًا معها، بينما تواصل إسرائيل حرب استنزاف طويلة ضد أطراف محور إيران.

من هنا تحول مضيق هرمز إلى قلب المعركة السياسية. لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل ورقة تفاوض استراتيجية. الرسالة الإيرانية تقول: لا أمن كامل للممرات من دون معالجة الحصار والعقوبات. والرسالة الأميركية تقول: لا تخفيف للضغط من دون تنازلات نووية حقيقية.

وبين هذين السقفَين، يتحرك الخليج بحذر. فدول الخليج لا تريد الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، حتى لو بقيت ضمن التحالف الأميركي. لأن أي انفجار واسع في هرمز لن يكون عسكريًا فقط، بل سيصبح أزمة طاقة وأسواق واقتصاد واستقرار داخلي.
وهذا العامل تحديدًا يزيد ضغط التفاوض على واشنطن. فالحرب التي لا تستطيع التحرك بحرية كاملة من قواعد الحلفاء تصبح أكثر كلفة، وأقل قدرة على فرض شروطها القصوى.

لكن ذلك لا يعني أن المنطقة تتجه إلى سلام كامل. الأقرب أننا أمام محاولة لإدارة الحرب لا إنهائها. أميركا تريد احتواء إيران، ومنع الانفجار الكبير، وتأمين هرمز والطاقة. إسرائيل تريد استثمار اللحظة لتغيير الوقائع في غزة ولبنان وسوريا. إيران تريد رفع الحصار ومنع الإخضاع الكامل. والخليج يريد إطفاء النار قبل أن تصل إليه مباشرة.

لذلك فإن الرد الإيراني المنتظر لن يحدد مصير اتفاق نووي فقط، بل شكل المرحلة المقبلة كلها: هل نحن أمام تسوية حقيقية، أم أمام إعادة توزيع للحرب والساحات والنفوذ؟

قد توقّع واشنطن اتفاقًا.

وقد تفتح إيران هرمز جزئيًا.

وقد تهدأ أسعار النفط.

لكن ذلك لا يعني أن النار ستنطفئ في لبنان أو غزة أو سوريا.

وهنا تكمن أخطر مفارقات المرحلة: قد تنتهي الحرب الأميركية مع إيران، بينما تبقى الحرب الإسرائيلية مفتوحة على الأطراف. وعندها لن يكون الشرق الأوسط قد دخل زمن السلام، بل زمنًا جديدًا من إدارة الحرب بأسماء أكثر هدوءًا وأدوات أكثر خطورة.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير