jo24_banner
jo24_banner

الترامبية والأحادية الجديدة!

د. حسن البراري
جو 24 :
شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوماً لاذعاً على إيران وسياستها في الإقليم متوعدا برد أمريكي سيرفع الكلفة على الإيرانيين، ولم يكتف الرئيس الأمريكي بالتوعد بالانسحاب من الاتفاق النووي في حال رفض إيران الالتزام بشروط جديدة سيفرضها الكونغرس الامريكي قريبا إذ صنف الحرس الثوري الإيراني ضمن التنظيمات الداعمة للإرهاب.

بصرف النظر عن السردية التي وظفها ترامب لتبرير سياسته، لا يبدو أن في جعبته استراتيجية واضحة ازاء الشرق الأوسط، وربما لولا وجود محور الراشدين في إدارته لارتكب حماقات كما فعل عندما أشعل فتيل أزمة بين حلفاء أمريكا في الخليج. والمتابع يحتار في محاولة فهم ما يريده ترامب، فأغلب المحللين الأمريكيين المعروفين في كبريات الصحف يعبرون عن حيرة لأنه لا يمكن التنبوء بما يريد أن يحققه رئيس تنقصه المعرفة ومهارة القيادة.

فدونالد ترامب لا يخفي ازدراءه للإدارة السابقة ويستهدف "انجازاتها" وبخاصة الاتفاق النووي مع إيران، فيشيع أن النظام الإيراني كان على وشك الانهيار لولا الاتفاق النووي، وهذا كلام يجافي الواقع إذ تمددت إيران في الاقليم وخاضت حربا ناجحة ضد حلفاء أوباما الذين كانوا مقتنعين بأن أمريكا أدارت ظهرها لهم في سبيل تحقيق تركة أوباما في اتفاق مع إيران.

منذ أن صعد إلى سدة البيت الابيض والرئيس ترامب يؤكد بأن الاتفاق النووي كان سيئا، ولا يذيع سراً عندما يتوعد الاتقاق في وقت ما زالت بلده تقيم تحالف الامر الواقع مع إيران في العراق ولا تقوم بردع الايرانيين في سوريا، بمعنى أنه في الوقت الذي يوجه سهام نقده للإدارة السابقة نجده يستمر في نفس نهج أوباما في كل من سوريا والعراق واضعاً تنظيم داعش كهدف رئيسي للقضاء عليه تاركا الباب مفتوحات لصفقات أخرى مع روسيا في سوريا.

كانت قراءة الولايات المتحدة وربما ما زالت بأن التطرف في المنطقة هو سنيّ، وعليه فقد تبنت ادارة أوباما فكرة التمكين الشيعي لتأمين التوازن المطلوب وهو ما عبر عنه أوباما بلغة ملتوية في غير مناسبة، وبتقديري أن هذه القراءه هي جزئيا صحيحة غير أنها اغفلت أيض أن التطرف هو شيعي وإسرائيلي وأنه لا يمكن التصدي لهذه الظاهرة في وقت يتم فيه غض البصر عن جذور هذه الظاهرة والاكتفاء بمعالجة مظاهر التطرف. وربما نقرأ في خطاب ترامب الناري ما يشي أن ادارة ترامب بدأت تعيد حساباتها بشكل مختلف مركزةً على مسألة إن إيران هي أيضا تدعم التطرف وتستفيد منه وأن الارهاب ليس ظاهرة السلفية السنية فقط وإنما هو نتاج لسياسات من ضمنها تطييف إيران لسياستها الخارجية.

لا شك بأن السعودية واسرائيل ستطربان للموقف الأمريكي ازاء إيران لكن هذا ليس بديلا حقيقيا عن ضرورة البدء بالعمل الميداني ما يتناسب مع هذا التوجه الترامبي (إن جاز التعبير)، وهو أمر بالغ التعقيد وبخاصة إذا ما أخذنا بالحسبان حقيقة أن سياسات المحور المعادي لإيران هي أيضا اشكالية وتساهم عن قصد أو غير ذلك في تجذير ظاهرة التطرف. والحق إن اعلان ترامب نيته العمل بشكل أكثر مع حلفائه التقليديين في الشرق الاوسط لمعاقبة إيران وتحجيمها لا يستقيم أيضا مع الفجوة التي خلقها ترامب مع بعض حلفائه في المنطقة وبخاصة قطر وتركيا.

يخشى الكثيرون بأن خطاب الرئيس ترامب لن يفضي إلى تغيير ملموس فيما يجري على ارض الواقع في الشرق الأوسط، فخطابه في أحسن حالاته لا يتجاوز مسألة هوس ترامب بسلفه أوباما ورغبته الدفينة في تفكيك تركة أوباما ومحاسبته. من المبكر الحكم إلى كيف سيقود الخطاب سياسة أمريكا الذي يرى الكثيرون بأن لا سياسة لديها، فعلى حلفاء أمريكا وهنا الحديث عن اسرائيل والسعودية أن يسفيقا ويفكرا بعواقب الخطاب أن سعت أمريكا بالفعل لوضعه موضع التنفيذ، فالرئيس ترامب سيقود الى أحادية جديدة رأينا نتائجها في العراق وافغانستان عندما امتطى المحافظن الجدد صهوة حصان السياسة الخارجية.

في مطلع الألفية الثالثة كان الرأي العام الغربي يرى بالرئيس بوش وشارون خطرا على السلم والاستقرار الدوليين، وقد يحل الرئيس ترامب مكانهما قريبا بعد أن يأخذ بلاده إلى مزيد من العزلة، فمن انسحاب من برتوكول باريس للمناخ إلى انسحاب من منظمة اليونيسكو إلى انسحاب محتمل من اتفاق دولي مع إيران! والعزلة الأمريكية الجديدة لا تعني الحيادة على نمط سويسرا إلى وفقا لمبدأ مونرو وإنما ستفضي إلى أحادية في الشرق الاوسط في وقت نشهد فيه نهاية "اللحظة الأمريكية" التي طغت وهيمنت في اعقاب انتهاء الحرب الباردة.
 
 
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير