2026-03-11 - الأربعاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

"مولانا"!

محمد أبو رمان
جو 24 : مولانا هو الشيخ حاتم الشنّاوي، الشخصية الرئيسة في رواية "مولانا" للأديب والإعلامي المصري المعروف إبراهيم عيسى. وهو يقدم (في الرواية) مثالاً لشيوخ الفضائيات المعروفين والمشهورين، وليس المقصود به -بالضرورة- أحد من لمعوا ونشاهدهم بعينه، بقدر ما هو "تشخيص" هذا النموذج. لكن من زاوية أخرى، تتجاوز الرواية الوجه الذي يظهر على الشاشة والكلام المنمّق الجميل، إلى ما وراء ذلك، ما قبل الظهور على الكاميرا وبعدها، وما تخفيه الكواليس النفسية والسياسية والاجتماعية.
ينجح إبراهيم عيسى في هذه الرواية (التي لقيت إقبالاً كبيراً واسعاً، ويجري التفكير في تحويلها إلى عمل درامي) في الدخول إلى عمق هذا العالم (شيوخ الفضائيات)، عبر شخصية الشيخ الشنّاوي، لكن بوصفه إنساناً قبل أن يكون واعظاً بارزاً متحدّثاً، تخطفه أضواء الشهرة وما تخلقه من ارتباطات وعلاقات اجتماعية وسياسية وأمنية معيّنة، ومعها الفوائد المالية الكبرى التي تترتب على هذا العمل، مقارنةً بوظيفة الشيخ السابقة؛ إماماً مغموراً في أحد المساجد المتواضعة، حيث لم يكن يتقاضى إلاّ أجراً زهيداً، فيما هو "اليوم" ثريّ يمتلك "فيلا" ويعيش حياة مترفة، ولديه جمهور عريض من المعجبين، وفي الوقت نفسه الحاسدون من زملاء المهنة والمنافسين، الذين يتنافسون على هذه المهنة المجزية مالياً.
يضعنا إبراهيم عيسى بذكاء في حالة المقارنة والمعاينة ما بين شخصية حاتم الطبيعية وأفكاره ومشاعره وطموحه وهواجسه، ومشكلاته الاجتماعية وصراعه النفسي، لكنّها الشخصية المقموعة وراء الكاميرا وما تفرضه من قناع إعلامي صارم، في مقابل الشيخ حاتم الشنّاوي الداعية البارع والمشهور، والشخصية التي تحظى بوضع اجتماعي متميّز واحترام في الطبقات السياسية.
تدخل الرواية إلى دهاليز كثيرة، وتقتحم عوالم أعمق، منها دور الأجهزة الأمنية وعلاقتها بالشيخ حاتم وغيره من الشيوخ والوعاظ المشهورين، وتوظيفها للمشهد الديني (إسلامياً ومسيحياً) بما يخدم أجندتها السياسية ودورها بوصفها "مركز قوة" رهيبا، يمسك بالخيوط من وراء المشهد، سواء في تلميع بعض المذيعين والمخرجين، أو إدارة الصراع الديني، والتلاعب بالرأي العام عبر الإعلام؛ فترفع من شأن البعض، لكنّها قد تهوي بهم عندما تريد إلى أردأ بؤرة، عندما تكشف الأوراق أو تفبرك القضايا، وتغتال الشخصيات، عبر ما تملكه من أدوات نفوذ وتأثير رهيبة!
دسامة رواية "مولانا" تتبدّى، أيضاً، عبر ما تثيره من إشكاليات فقهية وفكرية ودينية، يطرحها عيسى بذكاء؛ مثل التشيع والسلفية والتصوّف والاعتزال، وإشكالية العلاقة بين النص والواقع، وغيرها من أسئلة لا يخفى على القارئ اكتشاف "انحياز" المؤلف لآراء معيّنة بشأنها، لكنّها في النهاية تضع وجبة فقهية وفكرية ومعرفية دسمة بين دفتي الرواية، لتبوح بما كان سابقاً مجهولاً، أو مستوراً من قبل الخطاب الديني السائد في المساجد والإعلام والجامعات والكليات!
ثمة متعة واسعة في قراءة هذه الرواية المهمة والخطرة، وما تطرحه من عالمٍ جديد وأفكار غير تقليدية، وشخصيات حسّاسة، وما تشي به من خيوط مهمة في قراءة المشهد بصورته المتكاملة، بما يتجاوز صورة الشيخ المحبوب والذكي والبراغماتي الذي يظهر على الشاشة، ويصبح له حضوره وتأثيره وجماهيريته!الغد
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير