عن "سلام" قاتل لم يعد يصنع لنا إلا البؤس والجحيم والموت

د. عبدالحكيم الحسبان


يغرق الأردنيون سلطة ومؤسسات وشعبا في أزمات طاحنة. أجزم أن المشهد لم يكن من التعقيد والقتامة في الماضي- وحتى في أحلك اللحظات التي عاشتها الأمة- كما هي القتامة والكآبة اليوم. يعيش الأردنيون أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة، وتعيش الدولة الأردنية لحظات هي أيضا غير مسبوقة من الاختناق بالأزمات المتلاحقة، كما تعيش الدولة أيضا لحظات غير مسبوقة من التوتر والمواجهة مع جزء كبير من الرأي العام ومن النخب الإعلامية والسياسية.

المنطق يقول أن كم الأزمات التي تغرق فيه البلاد يتطلب أعلى قدر من التكاتف ومن تشابك الأيدي والقلوب والعقول بين شركاء الوطن في السلطة كما في صفوف النخب كما في الشارع. مأساوية المشهد تقف ورائها مفارقة قاتلة؛ أزمات مصيرية ووجودية طاحنة وغير مسبوقة تواجه بأكبر قدر من الشقاق والمواجهة بين شركاء الوطن والدم والمصير. الأزمات تتفاقم ولكن شركاء الوطن وبدلا من مواجهة الأزمات وهم مجتمعين، يبدون منهمكين في مواجهة بعضهم بعضا بدلا من مواجهة الأزمات الطاحنة. والنتيجة أن الأزمة تتفاقم وثمة خطر حقيقي في أنها قد تصل إلى نقطة اللاعودة.

في البحث عن ضنك العيش الذي يعيشه معظم الأردنيين في الاقتصاد كما في الاجتماع كما في السياسة، وفي تشخيص العلة التي تقف وراء البؤس المعمم الذي باتت تعيشه كل أسرة أردنية، وفي فهم "وصفات الخراب" المنتشر الذي بات يضرب الشارع كما المؤسسة كما الجامعة على العين الحصيفة أن لا تعجز عن رؤية أصابع من صنعنا معه "سلاما" كان أشبه باعلان بالسماح لعدو بأن يشن حربا علينا وبموافقتنا، وأن يقتحم أدق مفاصل حياتنا ليعبث بها خرابا وتدميرا.

في الماضي كما الآن، كان هناك من أبناء جلدتنا، عن وعي ومصلحة حينا وعن قصر نظر وعجز عن البصيرة حينا آخر، من اعتقد أن ممكنات الحياة تسمح بتحويل عدو غاصب للأرض والمقدسات قدمت قطعانه من أربع رياح الأرض، من عدو قاتل وغاصب وطامع إلى جار صديق وصدوق نصنع معه سلاما وحياة ومستقبلا وتنمية.

ما زالت خطابات وعبارات بعض رجال السلطة قبيل التوقيع على اتفاقية ذلك السلام المشئوم ترن في الأذن. السلام والحياة الكريمة والرفاهية والمياه والعمل ورغد العيش هي في انتظار الاردنيين ما أن يوقع الأردن على اتفاق السلام مع جار أرهقتنا الحروب وميزانيات الدفاع والأمن المكلفة جدا معه. أموال الأمن والدفاع التي سيتم توفيرها ستكون وحدها قادرة على أن تصنع للأردنيين رغد العيش الكريم.

الوقائع على الأرض ومنذ اللحظات الأولى كانت تقول وبوضوح أن العدو الذي أحاله البعض إلى صديق استغل الفرصة واللحظة ليتسلل إلى أدق مقاصل حياتنا في الاقتصاد كما في السياسة كما في الأخلاق والتعليم والتربية. بعد حوالي الثلاثة عقود من ذلك "السلام" لم تكن مؤشرات الفقر والجريمة والمرض والانتحار والهجرة من الوطن أعلى مما هي عليه الآن. لا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ عن حادثة قتل وعن حادثة انتحار او محاولة انتحار رغبة في الهروب من حياة لم تعد مغرية على الاطلاق لخوض غمارها.

لم يأت "السلام" للاردنيين برغد العيش، ولم يأت إليهم بأموال صندوق النقد الدولي المهيمن عليه أمريكيا، ولم يأت اليهم بأموال الخليج التي لا تتحرك إلا وفق الهوى الأمريكي، بل أن هذا "السلام" وبعد عقود ثلاثة لم يقنع الإدارة الأمريكية بإرسال سفير ليشغل ذلك الكرسي في سفارة الولايات المتحدة الذي ما زال شاغرا منذ أكثر من ثلاث سنوات. بل أن هذا "السلام" الذي وقعناه وبدلا من أن يفتح لنا أسواق الغرب والشرق البعيدين لبضائعنا ومنتجاتنا، بات يغلق علينا أسواق الأشقاء في العراق وسوريا ولبنان والخليج؛ وحدها البوابة الإسرائيلية هي التي يراد لها أن تكون مفتوحة أمامنا.

في مقابل ثمار "السلام" الأمريكي الإسرائيلي التي بات الأردنيون يتنعمون بها حد الاختناق والموت، يتنعم جيران لنا بثمار الحروب الأمريكيةالإسرائيلية المتواصلة عليهم. فمنذ العام 1978 يعيش الإيرانيون حروبا أمريكية عسكرية وأمنية واقتصادية وسيبرانية متواصلة وصلت حد أخراج إيران من نظام السويفت المالي الذي يسيطر عليه بالمطلق الأمريكيون والذي بدونه لا يمكن لإيران أن تشتري أو تبيع.

الحروب الامريكية والاسرائيلية المتواصلة على أيران تبدو "ثمارها" واضحة للعيان ومنذ اربعة عقود تبدو نتائجها واضحة. تضاعف في الناتج القومي المحلي الإيراني، وبرنامج نووي أيراني صنع بالكامل بأيدي الشباب الإيرانيين، وبرنامج فضائي توج قبل أسابيع بإطلاق ناجح لقمر صناعي أيراني، وصناعة عسكرية وطنية تلبي أكثر من 90 بالمئة من حاجات الجيش والحرس الثوري الإيرانيين، ونمو سنوي في نشر الأبحاث العلمية يزيد عن الالفين بالمئة, وموقع لإيران بين الستة الكبارفي العالم في مجال تكنولوجيا النانو، واكتفاء في مجال صناعة السيارات والمعدات الطبية، وتوليد للطاقة الكهربائية يجعل إيران في المرتبة الأولى شرق أوسطيا في مجال إنتاج الكهرباء وبما يتجاوز الاكتفاء حد التصدير للجيران.

قبل أسابيع صدر تقرير عن منظمة عالمية رصينة في تصنيف الجامعات لأهموأفضل 2000 على مستوى العالم. ولان الجامعة في القرن الواحد والعشرين باتت هي الأمة والدولة نفسها، وحيث باتت الجامعة هي من تصنع كل مقومات الأمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والطبية، فقد باتت الجامعات محط اهتمام صناع القرار والقيادات الوطنية.

في تصنيف منظمة The Center for World University Rankings (CWUR) تظهر واحدة من المفارقات؛ فالدول العربية التي يفترض أنها تعيش "السلام" وحيث أمنت شر العدوانية الإسرائيليةالأمريكية لم تنتج سوى أربع جامعات كان يمكنها أن تدخل التصنيف بين أفضل الفي جامعة في العالم. أما الدولة التي تعيش الحرب الساخنة والباردة والعقوبات الأمريكية والغربية والحصار الامريكي المتواصل أي الجار الإيراني، فقد تمكنت من إنتاج أكثر من ثلاثين جامعة ضمن أفضلألفي جامعة في العالم.

في البحث عن أسباب النجاحات الإيرانية لا ينبغي علينا أن نبحث عن الفروق العرقية أو الثقافية أو الدينية. الإيرانيون كما الأردنيون كما المصريون كما السوريون والعراقيون هم جزء من منطقة تملك رأس مال اجتماعي وتاريخي من بين الأفضل عالميا. الأردنيون الذين كانوا على الدوام هم جزء من المنطقة التي أنتجت أهم التحولات التاريخية والحضارية على مستوى العالم، ليسوا عاجزين مطلقا عن صنع التنمية والرفاهية والحياة الرغيدة.

ذات يوم قال أحد زعماء المنطقة: إن ثمن الصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية المطلوب منا دفعها، هو أضعاف أضعاف ما يمكن أن ندفعه في العداء معها.
 
تابعو الأردن 24 على