حين تحضر صورة "الكرسي" الشاغر في جامعة اليرموك وتغيب صورة الجامعة التي تحتضر

د. عبدالحكيم الحسبان



في الخطاب المعرفي الاستشراقي الذي يتغلغل حتى في بنانا الذهنية والمعرفية، تحضر واحدة من أخطر التعميمات والمقولات الاستشراقية حول أسباب الركود والانحطاط التاريخي الذي غرقت فيه المجتمعات العربية والإسلامية منذ قرون طويلة. المقولة تقول وتجزم، انه في التاريخ العربي الإسلامي الذي يحفل بالتغيير المتواصل للخلفاء والملوك من مواقعهم، قتلا بالسيف او اغتيالا بالشنق او بالسم، فان التغييرات المتواصلة في القصر لم تكن لتمتد وتصل إلى الجسم الاجتماعي كله. تغيير الخليفة لم يكن ينتج أي تأثير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للناس، وعليه، فانه وفي التاريخ العربي الإسلامي هناك الكثير من الاغتيالات ولكن "لا ثورات". أي لا تغييرات جذرية في البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كانت تحدث مع تلك التغييرات التي تجري في القصر وفي السراي. التغيير يقتصر اذن على شاغلي الكراسي ولكن الحياة خارج القصر تسير بنفس الوتائر في السياسة كما في الاقتصاد كما في الاخلاق والاجتماع.

استحضر هذه المقولة الاستشراقية، وانا أراقب السباق المحموم الذي يجري منذ أيام لتعيين رئيس جديد لجامعة اليرموك ليخلف سلفه الذي تم إعفاءه قبل ايام بقرار من مجلس التعليم العالي. السباق المحموم يخوضه مجلس التعليم العالي، كما تخوضه قوائم طويلة من الطامحين في المواقع، كما تخوضه مراكز نفوذ في عدة مفاصل في الدولة يهمها أن يتم الإتيان برئيس يكون على قدر قبضتها وبما يلبي مصالحها الذاتية من الغنائم المتاحة في الجامعة. ويتمظهر السباق المحموم أيضا في حملات غير مسبوقة في الإعلام وفي صفحات السوشال ميديا يظهر للعين من كتبها ولكن لا يظهر إلا للعقل هوية أصحاب المصالح الخاصة والضيقة ممن سبق وجربنهم الجامعة، وكانت نتيجة وجودهم في الإدارة مزدوجة؛ تضخم مثير للحزن في مديونية الجامعة مقابل تضخم غير مسبوق في ثرواتهم الشخصية وحساباتهم البنكية.

ما يثير الحزن، أن السياق الذي تجري فيه عملية اختيار رئيسي الجامعتين يبدو من خلال ممارسات الفاعلين والجهات المعنية، وكأنه سياق طبيعي وعادي، ويجري في ظروف طبيعية، ويغيب عن ذهن هذه الجهات أن السياق هذه المرة هو سياق غير طبيعي أو روتيني، فالموقعين الشاغرين لم يشغرا لأسباب طبيعية من قبيل انتهاء ولاية الرئيسين أو استقالتهما، وإنما كان السياق يتعلق بالإعفاء والذي يعني حتما وجود تقصير واختلال وربما فساد انعكس على عمل الجامعتين.

ما يخشاه الكثيرون في الجامعات وفي البلاد من أن دوائر صناعة القرار بات همها هو مجرد الإتيان باسم ليشغل موقع رئيس الجامعة وسط سباق محموم ووسط ازدحام غير مسبوق في أعداد الطامحين لهذه المواقع، في حين بات يغيب عن ذهن صانع القرار، كما عن ذهن الطامحين في الرئاسة، السياق غير الطبيعي الذي استدعى إقصاء رئيس جامعة من موقعه، وإحداث قطع في المسار غير الصحي الذي عاشته الجامعة في السنوات الأخيرة.

المسار غير الصحي الذي عاشته الجامعة في السنوات الأخيرة تبدو مؤشراته مثيرة لما هو أكثر من القلق والحزن. فالجامعة التي لم تراكم أكثر من 18 مليونا من المديونية على مدى أربعين عاما من تاريخها، جاءها من يغتالها ومن يغرقها في جبال المديونية التي قفزت من 18 مليونا إلى ما يقترب من 55 مليونا في الأربع سنوات الأخيرة. والجامعة التي كانت تفاخر بأداء بعض الكليات فيها على صعيد النوعية المتميزة لخريجيها في كليات الاقتصاد والهندسة والعلوم، باتت تسجل نتائج تثير الشفقة والحزن في امتحان الكفاءة الجامعي لدرجة أن بعض الجامعات الخاصة التي لا يزيد عمرها عن ال 15 عاما باتت تتفوق عليها في امتحان الكفاءة. ولا يختلف حال الجامعة في محاور التشبيك محليا ودوليا، كما في محاور المشاريع الدولية، وخدمة المجتمع المحلي عن حالها البائس على صعيد المديونية.

التفاصيل الراشحة عن عملية اختيار الرئيسين، كما السرعة التي تجري في هذه العملية، كما الآلية التي جرى استحداثها، تشي كلها بان السياق الدائر حاليا، هو سياق استبدال شاغل لكرسي بشاغل آخر، في حين تغيب اليرموك والمأساة التي عاشتها في السنوات الأخيرة عن المشهد. ويما يزيد القناعة إن التغييرات المتأتية من قرارات مجلس التعليم العالي والدولة عموما سوف تقتصر على إزاحة جالس على الكرسي لاسترضاء واحد من الطامحين الأزليين في هذا الموقع. أما حال اليرموك فسوف يستمر في التراجع والانهيار وصولا للموت المحتوم، أي إقفال الجامعة أبوابها أمام طلبتها والعاملين في مبانيها ومختبراتها.

ولأن ظروف اختيار رئيس جامعة اليرموك الحالية، هي ليست ظرفا عاديا واعتياديا، فالأمل أن يكون قرار الدولة ومعالي وزير التعليم العالي ومجلس التعليم العالي الموقر هو أيضا غير عادي من حيث آلية الاختيار بل ومن حيث الإطار الزمني لعملية الاختيار، التي إن اقتصرت على تعبئة موقع الرئيس الشاغر، فلن تكون سوى عملية لاستبدال شخص بشخص آخر في حين تستمر عجلة موت الجامعة في الدوران وبسرعة قياسية.

السياق الاستثنائي الذي شغر فيه موقع رئاسة اليرموك، يحتم وقبل اختيار شخص ليجلس على موقع كرسي الرئاسة العتيد، تشخيص وتحديد الأزمة التي باتت بنيوية التي تعيشها اليرموك وأدت إلى تكرار حالات الإعفاء للرئيس من اليرموك، وهو ما يتيح بعد هذا التشخيص تحديد شخص الرئيس القادم القادر على القيام بالمهمة المطلوبة منه، وهي وقف التدهور الحاصل وصولا لتغيير المسارات من مسارات انهيار وموت إلى مسارات نمو وحياة للجامعة وطلبتها والعاملين فيها والمجتمع المحلي المستفيد منها.

أدعو وبضمير مرتاح وقبل تسمية رئيس للجامعة تأخير هذه العملية ولو لأسبوع واحد أو اثنين وبما يتيح تشكيل لجنة من أسماء كريمة لها تاريخها الوطني على صعيد التعليم العالي تكون مهمتها وضع تقرير وبسرعة عن الأسباب التي أدت إلى هذا الحال غير المسبوق وفي سنوات قليلة في جامعة اليرموك، وبما يؤدي إلى تحديد مواطن الخلل، وبما يسهل حدوث وضوح في الرؤيا على صعيد اختيار الرئيس القادم للجامعة وبما يتناسب مع المهام الموكولة إليه بالاستناد إلى تقرير اللجنة عن جوانب الخلل الحاصلة في ملف إدارة الجامعة. 

إن لجنة تضم أسماء كبيرة من قبيل دولة الدكتور عدنان بدران المؤسس لجامعة لجامعة اليرموك، وتضم اسماء معالي الدكتور فايز الخصاونة وعطوفة الدكتور عبدالله الموسى، وهي كلها شخصيات تعرف اليرموك ويعرفها اليرموكيون ويرتاحون لها، كما تضم بعض الأكاديميين الموقرين في جامعة اليرموك، يمكن أن تشكل استجابة للظرف الاستثنائي الذي يعيشه موقع الرئاسة في جامعة اليرموك.

كما يمكن لهذه اللجنة أن تشكلت ان تكون سابقة يحتذى بها مستقبلا في آلية اختيار رؤساء الجامعات، لأنه لا يعقل أن تكون آلية اختيار رؤساء الجامعات وفي كل الظروف واحدة، فالجامعات ومشاكلها لا تتشابه. كما أن اللجنة سوف تحدد مواطن الخلل ومن تسبب به، وبما يكرس مبدأ المحاسبة والعقوبة على سوء الإدارة والفساد، وبما يقفل الطريق على من قادوا الجامعة إلى موتها الموعود في إعادة تعويم أنفسهم باعتبارهم المخلصين للجامعة من أزمتها وهم الذين أوقعوا الجامعة في ورطتها، من خلال الرهان على عامل الزمن، ومن خلال الاستفادة من دعم بعض مراكز النفوذ الفاسدة في الدولة هنا أو هناك.

في المأساة الحالية التي تعيشها جامعة اليرموك، يثير واقع المديونية المتراكمة الحزن، كما يثير حجم حفلات الردح والشتائم الليلية على صفحات السوشال ميديا التي باتت تشبه حال "التعليلة" الحورانية إحساسا بالمرارة والإحباط، غير أن أكثر ما يثير الحزن أن أكثر الناس صخبا وحديثا عن العدالة وعن افتقاد الشفافية في عملية اختيار رئيس لجامعة اليرموك، هم من جربنهم الجامعة على مدى سنين طويلة، وسجلوا أبشع الارتكابات في الفساد وسوء الإدارة وفي جلب قوائم طويلة وطويلة جدا من "مجهولي النسب" علميا وأخلاقيا وفكريا لكي يكونوا في أعلى مراتب الإدارة في الجامعة، وكي يكونوا إلى جانبهم في حفلات توزيع غنائم الجامعة.
تابعو الأردن 24 على