jo24_banner

شرعنة النصب بإسم "سقيا الماء"

د. ماجد الخواجا
جو 24 :


تفشت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحات بالعشرات إن لم تكن بالمئات تزعم كلها أنها صفحات " خيرية " تقدم خدمات لمن يرغب بالتبرع من أجل عمل خيري يتطور في مسمياته ويتشابه في غاياته..

فبعد أن تم استهلاك فاضح لموضوع بناء المساجد أو إستكمال بنائها والتي يتم فيها توسل الأبعاد الخيرية الظاهرية لدى الأفراد ورغبتهم في تقديم صدقة جارية عن أمواتهم، ليقتحم هؤلاء المشهد عبر ضخ إعلامي مزعج جدا وبشكل متكرر طوال النهار عبر القنوات التلفزيونية التجارية التي لا يهمها إلا ثمن الإعلان، فيقوم المعلن ببث مشاهد لبناء غير مكتمل على أنه مشروع لمسجد في قرية في أحد البلدان العربية وتحديدا في مصر، مع ضرورة تواجد شخص ملتحي يتحدث مسترسلا عن الصدقة الجارية وعن البناء وما يتطلب من مواد لاستكماله، مع ضرورة وجود أشخاص يحيطون بالشخص الملتحي كإخراج رديء لهذا التسول بل النصب المسكوت عنه رسميا وشعبيا.

كما تم الاستهلاك المعيب لأمراض البشر من خلال عرض الشخص المريض على التلفزيون والتركيز بالكاميرا على الإعاقة التي لديه أو التشوه المصاب فيه، مع سيل من الدموع بالكلمات الكاذبة من أجل استدرار عواطف المشاهدين .

وتم الاستهلاك المخزي لحالات من الفقر وتصوير أصحابها في ملابسهم الرثة وأوضاعهم البائسة مع التركيز على إظهار درجات الفقر وشح الحياة في موجودات الغرفة والدعوة للتبرع لهذه الحالات عبر أرقام هواتف وأرقام حسابات بنكية لا يعلم إلا الله وحده أين وكيف تذهب وعلى من تنفق.

وصولا إلى ابتداع فكرة سميت " حفر الآبار " حيث تقوم الفكرة علة أنها تمثل صدقة جارية عن الأموات بالتبرع بقيمة حفر بئر ماء صالح للشرب في مناطق متعددة من العالم لا تتوافر فيها مياه صالحة، وتركز الدعاية على دولة بنغلاديش باعتبارها دولة مسلمة، والباكستان والهند ودول إفريقية .

طبعا لغايات حلب المستغفلين من المتبرعين، يتم وضع جدول بأسعار متفاوتة تناسب الجميع، وهذا هو المهم، أن الفكرة تستند إلى " ولو بشق تمرة " فالمهم أن تتبرع بأي مبلغ كان، فتجد الأسعار تتراوح ما بين 200 دولار إلى 3000 دولار إلى عشرات الآلاف من الدولارات في حالات جماعية أو ما تدعى بالمشاريع الخيرية الكبرى.

ومع زيادة أعداد المتبرعين ومع زيادة الأسئلة المحرجة لهذه الجهات التي عليها ألف علامة استفهام. فقد تم تطوير آليات الخداع بالتحول إلى ما تسمى مشاريع صغيرة يوضع فيها خزان مياه مع عدد من الحنفيات المشبوكة عليه، مع خلفية وأرضية بألوان زاهية، مع وهذا الأهم لوحة أو يافطة يكتب عليها اسم المتبرع والمتوفى الذي أقيم المشروع صدقة عنه. ويتم تصوير فيديو مع تحلق بعض الأفراد والأطفال والنساء في محيط الموقع مع ترديد دعاء للمتوفى.

لقد عملت بحثا بسيطا عن أسماء وصفحات بعنوان " سقيا الماء " عبر الفيس بوك وتويتر وغيرها، فلاحظت أن هناك تسارعا محموما بإنشاء المئات من هذه الصفحات ، ويذهل أكثر حجم التفاعل مع تلك الصفحات لمن يعتقد أنه يريد عمل صدقة جارية عن روح موتاه، وقد لاحظت أن كثيرا منها أصبح محلي الصنع أي من داخل الأردن. حيث أرقام الهواتف على الصفحات تبين ذلك.

إنني أضع هذا الملف الخطير بين يدي المعنيين في وزارة الأوقاف ابتداء ولدى الأجهزة الأمنية ووحدة الجرائم الإلكترونية للتحقق مما يأتي :

-هل هذه الجهات مرخصة، ومن الذي يقوم بالترخيص لها ؟
-هل هناك معايير وضوابط محددة تضمن صحة ما يزعمون بتقديم خدمات " سقيا الماء " ؟
-هل تعتبر هذه مشاريع خيرية، ومن يحدد خيريتها ؟
-هل يجوز تحويل الأموال واستنزاف موارد الدولة المالية بحجة إقامة مشاريع خيرية في دول أخرى ؟
-ما هي معايير ومؤهلات القائمين على مثل هذه الأعمال ؟
-هل يحق جمع الأموال بهذه الطرق المشبوهة غير واضحة الاتجاهات ولا معلوم لها النهايات ؟
-هل يتم اقتطاع ضرائب مالية بنسب كما هو الحال عند إقامة أي مشروع؟
-هل الدولة موافقة على هذه الأساليب من جمع الأموال بذريعة العمل الخيري ؟

أسئلة متعددة تتطلب وقفة حقيقية للحد من استهبال الناس واستغفالهم عبر توسل مشاعرهم واستعطافهم باسم الدين وشرعنة النصب والسرقة لهم .

 
تابعو الأردن 24 على google news