كتب -د. حسن البراري- في محاضرة له القاها يوم الاربعاء في جامعة بيل الاميركية قدم الدكتور مروان المعشر أفكارا هامة ستشكل جوهر كتابه الجديد الذي سيصدر في نهاية شهر كانون اول القادم وفيه يتناول اليقظة العربية الثانية والمعركة من اجل التعددية.

في كتابه عن اليقظة العربية الاولى قام جورج انطونيوس بالتأريخ لحركة العرب القومية التي نجحت في مقارعة الاستعمار وتخليص المنطقة منه لكن هذه الحركة توقفت عند هذه النقطة ولم تحاول خلق التعددية السياسية المطلوبة، وهنا يجب ملاحظة ان الكتاب توقف عند عام ١٩٣٦عندما وقعت سوريا معاهدة استقلال مع فرنسا.

هنا يقول الدكتور المعشر ان الثورات العربية التي جاءت في سياق الربيع العربي تشكل ما يمكن تسميته باليقظة العربية الثانية وفيها ستكون المعركة من اجل التعددية. وهنا يرى الدكتور المعشر ان التحول التاريخي يحتاج لسنوات طويلة ولا يمكن ان يتم بين ليلة وضحاها وان هناك حاجة للعمل على الارض (بدلا من التنظير والتحليل) لخلق شروط التحول الى التعددية التي لا مستقبل للمنطقة من دونها.

وقد تطرق المعشر في محاضرته الى تجربة الاسلاميين بالحكم، ويقول ان التجربة المصرية تثبت ان شعار الاسلام هو الحل كان شعارا كافيا عندما كانت هذه الحركات بالمعارضة ولكنه لم يعد شعارا كافيا لتبرير استمرار هذه الحركات بالحكم لأن الشارع المصري مثلا هو متدين ولا يحتاج لاحد لكي يقول له كيف يكون متدينا بل يحتاج الى حكومات تتصدى للتحديات الاقتصادية وتخلق شروط التنمية الحقيقية، من هنا جاء انقلاب الشارع على الاسلاميين الذين بدورهم مارسوا اقصاءً واضحا.

ويضيف المعشر قائلا ان القوى العلمانية -وهي قوى ليبرالية ولكن ليست ديمقراطية- ايضا قبلت بما قام به العسكر للتخلص من الاسلاميين ما يعني ان كل الفرقاء السياسيين لا يمنحون مبدأي التعددية والتشاركية اهتماما، ولسان حالهم هو ان المنتصر يحصل على كل شيء.

غير ان التجربة التونسية تقدم مثالا مختلفا عن التجربة المصرية، فحزب النهضة الذي يهيمن على السياسة التونسية سيعاني في الانتخابات القادمة حسب استطلاعات الرأي، وان فكرة ان الاسلاميين ان وصلوا للحكم فهم لن يغادوره هي فكرة لا تصمد امام التجربة التونسية، اذ من المتوقع ان تبرز قوى اخرى يمكن لها المشاركة بالحكم او الفوز بالانتخابات، بمعنى ان الشارع التونسي يبحث عمن يقدم اجابات للتحديات الاقتصادية اليومية ولا يصوت بشكل ايدولوجي.

وهنا يرى المعشر ان التعددية هي النتيجة المنطقية للثورات العربية مع انه لا يوجد طريق مختصر للوصول الى تلك النقطة.

ثم ينتقل المعشر في محاضرته للحديث عن الاصلاح من اعلى الذي يمكن له ادارة الانتقال بشكل سلمي، وهنا يحدد اربعة مكونات اساسية لهذه المقاربة وهي: التشارك في الحكم بشكل يخلق التوازن بين السلطات، التخلص من النظام الريعي واستبداله بنظام يعتمد الكفاءة، مشاركة الجميع بدلا من الاقصاء، واصلاح التعليم ليركز على المهارات الاساسية المطلوبة مثل التفكير النقدي. طبعا لم يفت المعشر ان يتطرق لموضوع فشل دول المشرق العربي في بناء هوية وطنية شامله اعلى من الهويات الفرعية، فالدولة التي مضى على استقلالها اكثر من ستين عاما لم تتمكن من خلق هوية وطنية وهذا الامر لم يعد محتملا ولا يمكن الاستمرار به دون احداث قلاقل داخلية ومشاكل مجتمعية..

هذه هي الطروحات الرئيسية لما يعتقد المعشر انها يمكن ان تساهم في خلق مجتمعات تعددية، لكن المعشر لم يتطرق في محاضرته على الاقل الى عواقب الفشل في البدء في خلق شروط التعددية وبخاصة وان المجتمعات تعاني من مشاكل كبيرة جدا نتيجة للسياسات الرسمية وان عهد الولاء الاعمى قد ولى من غير رجعة، كما انه لا يمكن العودة الى المربع الاول قبل انطلاقة الثورات العربية..
وهنا أود ان اضيف بأن بعض القادة العرب يعانون ممن اسماه صموئيل هنتنغتون ب “مازق الملك” الذي ينعكس بشكل واضح على التخبط في السياسات العامة، فمن ناحية هناك خشية من ان الشارع لن يصبر على القادة الفاسدين والعاجزين عن احداث التطور السياسي الا انهم من ناحية اخرى يخشون ان اي تنازل يقدم سيكون توطئة لمزيد من التنازلات التي تجعل منهم في نهاية الامر حكام من دون سلطة. وأكثر من ذلك هناك قوى الوضع الراهن المتحالفة مع الحكام ضد الاصلاح، وهي قوى لها مصالح في إبقاء الوضع الراهن كما هو حماية لمكتسبات حققوها في غياب الشفافية والمسائلة وفي اجواء من الفساد الذي يعرفه الجميع.

كلام المعشر فيما يتعلق بضرورة خلق اطار التشاركية للتمهيد للتعدديه هو صحيح، غير ان واقع الحال يشير الى ان المعركة- ان استمر الحال- ستكون من اجل السيطرة والهيمنة وقد شاهدنا ذلك في مصر. وبهذا المعنى فإن غياب الارادة السياسية الواعية لضرورة انقاذ البلاد من خلال اصلاحات شاملة قد تخلق شروط الفوضى والشرذمة بدلا من التعددية. فمن يحكم في المشرق العربي على سبيل المثال لا يسعى لاحداث اصلاحات حقيقية، فالاصلاحات ان جاءت استجابة لضغط داخلي تكون في جلها شكلية مصصمة لاعادة انتاج الواضع الراهن التسلطي وغير الديمقراطي.

وحتى نقرب الصورة، اقول ان الاصلاحات التي اجراها الاردن هي اصلاحات خادعة وفارغة من اي مضمون حقيقي وما هي الا تكتيك استباقي لضمان ديمومة التفرد بالسلطه وتغييب الشعب عن صناعة القرار حتى يستمر تحالف الفساد والاستبداد في الاقصاء. وفي بلد مثل الاردن، تلعب الولايات المتحدة دورا سلبيا في الاصلاح ، فواشنطن ما زالت تقدم الاستقرار على الديمقراطية حماية لمصالحها قصيرة المدى، وقد رأينا اميركا تكيل المديح لكل الانتخابات المزورة التي جرت بالاردن وهو ما اعطى النظام دفعة قوية في عناده واصراره على الاقصاء وتغييب الشارع.

بكلمه، ما يراه الدكتور مروان المعشر بانه يمثل مخرجا تاريخيا للمجتمعات العربية يحتاج الى من يقود. وحتى لا يتحول اصرار الحكام على ابقاء الوضع القائم الى وصفة قلاقل وفوضى ومدخلا لتدخلات خارجية وربما فرض حلول اقليمية تخلق شروط الحروب الاهلية، فإن المطلوب ان يتصدى المفكرون والسياسيون لهذا التحدي من خلال بلورة برامج والعمل على تنوير الشارع بأنه امامه خياران: الفوضى القاتلة او التعددية. واتفق مع المعشر بان التحليل والتنظير- على اهميتهما- يحتاجان الى قادة في الميدان لانقاذ البلاد من غي الحكام وفسادهم ولتأطير الشارع خلف متطلبات الشراكة السياسية والديمقرايطية والتعددية.