jo24_banner
jo24_banner

اجندة وطنية للاتصال والاعلام وامن اعلامي

جانتي نورالدين ابزاخ
جو 24 :



في ظل ما يشهده العالم و المنطقة من تغيرات جيوسياسية متسارعة متزامنة مع تسارع تطور العملية الاتصالية بفضل التكنولوجيا المتطورة والوسائط الذكية اصبحت العلاقة بين السياسة والاعلام تلازمية اساسها تبادل الادوار، فكلاهما يعيش في كنف الاخر .

فالاعلام يساهم في تشكيل رؤية الجماهير نحو واقعها وتحديد تصوراتها تجاه القضايا المختلفة ويؤثر في مواقفها تجاه الاحداث .
لم يعد الاعلام مجرد ناقل للاحداث وانما اصبح مؤثرا بمجرياتها بصورة غير مباشرة وربما مباشرة احيانا .

في سياق ما سبق عملت الدول على تطوير وسائل وادوات الخداع الاعلامي الاستراتيجي لاهمية القوة الناعمة في اختراق الدول من داخلها والتأثير على الحواضن الشعبية والسياسية والاقتصادية لانظمتها .

لقد ارتبط الاعلام لفترات طويلة بالسلطة السياسية وانحازت ادواته ومؤسساته للحكومات التي سيطرت على وسائل الاعلام سيطرة تامة ، ومارست تأثريها على الجماهير بتبنيها نظريات متعددة كالرصاصة السحرية ودوامة الصمت والغرس الثقافي وغيرها ، وكان هدفها الاوحد هو بسط نفوذها على الجماهيرو تشريبهم خطابها السياسي .

اما في عصر الاتصال والصورة لم يعد الاعلام حكرا على النخب الحاكمة ولم تعد السيطرة مجدية ، فالجمهور اصبح شريكا اساسيا في ادارة المشهد الاعلامي لامتلاكه وسائل اتصال متطورة ، كانت حكرا فيما مضى على السلطات الحاكمة واجهزة الاستخبارات .

الدولة الاردنية كغيرها تولي اهمية لمفهوم الاعلام السياسي ( احد فروع الاعلام ويختص بالتأثير والاقناع ) فاستخدمت مبكرا مصطلح الاتصال الملازم للسياسة والمرتبط بها ، فكانت مؤسسة الديوان الملكي صاحبة السبق في استخدام مصطلح ومفهوم الاتصال من خلال ادارة الاعلام والاتصال ، كما استحدثت الحكومة وزارة للاتصال الحكومي ( في انجلترا و اوروبا يستخدم مصطلح الاتصال وفي الولايات المتحدة تم تجاوز حتى الاتصال الى صناعة الاعلام ) .

في عصر الاعلام الجديد لم يعد الجمهور مجرد متلق للرسائل الاعلامية وانما عنصررئيس وفاعل في عملية الاتصال يتأثر بها ويؤثر فيها ، فبعد ان ارتبطت الاستاتيكية والسلبية بالجمهور اصبح الان ديناميكي يؤثر في غيره من الجماهير، وكذلك لاعب فعال في بالحراكين الاعلامي والسياسي ، ومن هنا جاءت تسمية مؤثر .

( حسب احد قوانين الديناميكا الحرارية ، الحرارة تنتقل من الاجسام الساخنة الى الباردة وهذا قانون حتمي لاستمرار الحياة )

اما جمهور الاعلام السياسي اصبح مسؤولا عن اختيار ما يناسبه من وسائل الاعلام التي تتنافس على اشباعه معلوماتيا بما يتناسب مع اهدافه ورغباته واتجاهاته واهتماماته ، لا بل تمكن تقنيا ليبحث عن المحتوى الذي يريد ان يسمعه ويتوافق مع معتقداته واماله حتى وان كان هذا المحتوى مضللا او كاذبا .

(اشير الى دراسة نشرها معهد ماساشوتس للتكنولوجيا تفيد بان الخبر الكاذب ينتشر بسرعة 6 مرات عن الحقيقي ونسبة من يبحثون عن الخبر الكاذب ويعيدون ادراجه اكثر بعشرة اضعاف ممن يبحثون عن الخبر الصادق ) .

الحكومة الاردنية ادركت نصف الحقيقة السابقة فقط واغفلت النصف الاخر ، فقامت بتشريع قانونا للجرائم الالكترونية وحاليا نشرت هيئة الاعلام مشروعا لتنظيم الاعلام الرقمي.

سنت الحكومة القوانين والانظمة فحققت "المشروعية " ولكنها اغفلت " الشرعية " القائمة على رضا جمهور الاتصال السياسي الذي يعزز القبول الشعبي و يحافظ على قوة الدولة من خلال بناء راي عام صلب مستنير .

وزارة الاتصال الحكومي استجابت لتحديات الاعلام الجديد وتداخل السياسة بالاعلام فاطلقت وثيقة عامة بعنوان ( السياسة العامة والاتصال ) ، ولكن الوزارة لم تقدم خطة استراتيجية لتنفيذ ما جاء في الوثيقة كما انها لم تخضع مخرجات الوثيقة للمراجعة والتقييم والتحديث .

لا يجب علينا اعلاميون ومؤسسات عامة وخاصة تناول القضايا الوطنية بسطحية لان ذلك يؤدي الى غياب رأي عام مستنير حاضن للسياسات الحكومية وتوجهات القيادة السياسية العليا .

كما اننا كاعلاميين ومؤسسات نفتقر احيانا الى نظام اتصالي فعال قادرعلى توضيح ركائز سياسة الدولة وسياستها الخارجية ومصالحها العليا للجمهور .

ان تراجع تاثيرالمنظومة الاعلامية وقدرتها على ضبط اتجاهات الراي العام واقناعه بالسياسات ومصالح الدولة العليا تركت الجمهور نهبا للاغتصاب الاعلامي من وسائل اعلام مشبوهة استغلت نقص الاشباع المعلوماتي والاعلامي لديه .

الجهات التي تمارس التضليل الاعلامي الممنهج كثيرة وتهدف الى خلق واقع مزيف يوجه الرأي العام نحو اهداف بعيدة عن المصلحتين الوطنية والعامة وحتى مصلحة الفرد الذي سيلاحق سرابا لعدم مساعدته

واحذر الى ان على المنظومة الاعلامية عدم الانسحاب من الاهتمام بقضية او ازمة ما لصالح قضية جديدة وترك الجمهور في حالة فراغ معلوماتي ، عندها سيبحث عمن يشبع رغبته ، فيكون صيدا سهلا امام من يتقنون الخداع الاعلامي الاستراتيجي والتزييف .

فالمنظومة الاعلامية الفعالة توفر سعة اتصال بين الجمهور وسياسات دولته العليا ولا تتركه وحيدا نهبا للاستغلال من جهات مشبوهة .

ما اوردته ربما سيفهم من باب النقد وليكن ان كان هذا النقد بناء ويجتهد في تقديم مقترحات للخروج من دوائر الحوار المغلقة ، والحوار لاجل الجدل و التشخيص المفتقر للحلول والمبادرات .

اما مقترحي بناء على ما سبق فهو التالي :
- بناء ( اجندة وطنية للاتصال والاعلام ) بمشاركة جميع المعنيين من رسميين ومؤسسات مجتمع مدني وتشمل جميع قطاعات العملية الاتصالية ، بحيث تتيح اتصالا افقيا لادماج الجميع في مسارات التحديث الملكية ، وتحفظ الهوية الوطنية الجامعة ومكوناتها في ظل التحديات الاقليمية والدولية .
واعتبار التحديث الاعلامي (الاجندة الوطنية للاتصال والاعلام) بمثابة مسار رابع داعم ومعزز لمسارات الاصلاح الاقتصادي والسياسي والاداري .
وتكون الاجندة بمثابة الاطار الفكري والمنهجي للاعلام الاردني بافراده ومؤسساته القائمة او التي ستبنى لاحقا ، ووثيقة وطنية مرجعية للنهوض بالاعلام الاردني .

- استحداث مفهوم ( الامن الاعلامي الوطني) ، ليس للتصدي للشائعات والاكاذيب فقط وانما كمفهوم وقائي لتحصين جمهور الاعلام السياسي من التضليل الممنهج و بناء نسيج اعلامي وطني قوي يتصدى للواقع المزيف الذي تحاول فرضه جهات مغرضة ، اضافة الى بناء راي عام مستنير يشكل حاضنة قوية لاهداف الدولة العليا وسياساتها .

- استخدام مفهوم ( هندسة الاعلام ) فحاضر الاعلام ومستقبله بحاجة الى مهندسي اتصال اعلامي واعلاميون وخبراء تقنيون اكفاء ومؤسسات اعلامية قيادية قادرة على تأسيس علاقة صلبة بين الدولة وجمهورها ومؤثرة في الراي العام وتحصينه ووقايته مما يقدم اليه من زيف وباطل .
( احيانا تكون وسيلة الاعلام اشد تاثيرا من المحتوى الذي تقدمه خاصة لدى الجماهير اليافعة ، ما يستوجب اشراك خبراء تقنية و اتصالات ومهندسين في ادارة العملية الاعلامية ) .

ختاما اتمنى ان يحظى اقتراحي باهتمام القيادات السياسية و اصحاب القرار.

الاردن وطن ، والوطن غال ، ويستحق منا العمل والمبادرة واقتراح الحلول وليس تقاذف حصى اللوم ورفع الشعارات الوطنية دون العمل على تحقيقها .

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير