بن غفير والسجون.. حين يتحوّل القمع إلى عقيدة حكم… ومن يخدم من؟
زياد فرحان المجالي
جو 24 :
لم تكن القفزة الحادّة في استخدام وسائل التقييد ضدّ الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية مجرّد تعديل إجرائي في أنظمة الحراسة، بل عكست تحوّلًا بنيويًا في فلسفة السلطة. فالبيانات الرسمية التي أظهرت زيادات غير مسبوقة في استخدام القيود، مترافقةً مع ارتفاع وفيات الأسرى وتصاعد العنف المؤسسي، تشير إلى انتقال واضح من منطق "الإدارة الأمنية” إلى منطق "العقاب بوصفه هوية سياسية”. وفي قلب هذا التحوّل يقف إيتمار بن غفير، لا بوصفه وزيرًا فحسب، بل بوصفه ظاهرة سياسية–نفسية تُجسّد المسار الراديكالي الذي بلغته بنية اليمين الإسرائيلي.
القمع: من أداة إلى عقيدة
تُميّز القراءة الحديثة للسياسات العامة بين القمع كوسيلة ظرفية، والقمع كعقيدة حكم. ما يميّز المرحلة الراهنة أن القمع لم يعد وسيلة لاحتواء أزمة محدّدة، بل بات خطابًا مُعلنًا يُسوَّق بوصفه "حزمًا” و"سيادة”. يتجلّى ذلك في اللغة قبل الأرقام: مفردات مثل "كسر الإرادة” و"إعادة الردع” و"إنهاء الامتيازات” تكشف تصورًا يرى في السجن ساحة مواجهة رمزية، لا مؤسسة إصلاح أو ضبط.
من منظور علم النفس السياسي، يرتبط هذا النمط بسعيٍ إلى اليقين عبر السيطرة. فعندما يعجز النظام عن تقديم أفق سياسي أو أمني مستقر، يلجأ إلى تشديد العقاب لتعويض شعور بالعجز. غير أن هذه القسوة لا تُنتج أمنًا مستدامًا، بل تمنح إحساسًا مؤقتًا بالقوة لصانع القرار وجمهوره.
السجون كأداة احتلال
تفترض مقاربات شائعة—خطأً—أن ملف السجون في إسرائيل شأنٌ مدني بين دولة وخارجين عن القانون. غير أن الواقع الفلسطيني يكشف وظيفة مختلفة: السجون جزء من منظومة السيطرة، غايتها وقف المقاومة، وترسيخ الردع، وتثبيت الاحتلال عبر العقاب. بهذا المعنى، لا يُدار السجن بوصفه مرفقًا قانونيًا، بل بوصفه أداة سياسية ذات أثر اجتماعي ممتدّ خارج الأسوار.
بن غفير: القناعة والطموح
يصعب الفصل بين قناعة بن غفير الأيديولوجية وطموحه السياسي. فهو ينتمي إلى تيار يرى في الفلسطيني خصمًا وجوديًا لا شريكًا محتملًا، وفي الوقت نفسه يدرك أن السجون ملفّ منخفض الكلفة داخليًا وعالي الرمزية لدى قاعدته. بذلك تتحوّل السياسات القاسية إلى رافعة سياسية تُراكم حضورًا رمزيًا، لا إلى إدارة تقنية.
النتيجة أن الأسير يُختزل إلى مادة سياسية لإثبات "الصلابة”، لا إنسانًا خاضعًا لقانون. ويغدو التصعيد غاية بحد ذاته، لا أداة تفاوض.
نتنياهو وبن غفير: تقاطع مصالح
لا تحكم العلاقة بين بنيامين نتنياهو وبن غفير مشاعر أو انسجام فكري، بل تقاطع مصالح. يحتاج نتنياهو إلى بن غفير لضمان تماسك الائتلاف، فيما يحتاج بن غفير إلى نتنياهو ليحوّل خطابه إلى سياسة دولة. غير أن عدم التكافؤ النفسي والسياسي قائم: نتنياهو براغماتي يرى في القمع أداة ضغط قابلة للضبط، بينما يراه بن غفير غاية بحد ذاته. هذا يولّد توترًا صامتًا يُدار عبر توسيع القسوة ما دامت لا تُحدث كلفة دولية فورية.
رسائل السجن إلى المجتمعين
تحمل سياسات السجون رسالتين متزامنتين: للفلسطينيين مفادها "العقاب بلا سقف”، وللمجتمع الإسرائيلي مفادها "الدولة قوية ولا تتردد”. غير أن التاريخ يُظهر أن الرسالة الأولى كثيرًا ما تنقلب عكسيًا؛ فالقمع المفرط لا يكسر إرادة الشعوب المناضلة، بل يعيد تشكيلها في أنماط أكثر صلابة ورمزية. يتحوّل السجن إلى فضاء لإعادة إنتاج الهوية، ويرتفع الأسير إلى رمز، وهي نتيجة يغفلها خطاب القسوة.
حدود القوة داخل المنظومة الأمنية
حتى داخل الأجهزة الإسرائيلية، ثمّة إدراك غير مُعلن لحدود هذا المسار. فالعقاب بلا أفق سياسي يراكم غضبًا مؤجّلًا. الأمن ليس حاصل جمع القيود، بل إدارة توازنات بين الردع والاستقرار. غير أن الصوت الشعبوي يطغى، بخطاب بسيط: "المزيد من الشدّة”. وهو خطاب جذّاب في الأزمات، لكنه محفوف بمخاطر متوسطة الأمد.
الطموح وما بعد الوزارة
تتصل سياسات السجون بطموح شخصي يتجاوز الوزارة. فالسجون منصة لبناء صورة "قائد لا يساوم”. كل إجراء قاسٍ يُراكم رصيدًا لدى جمهور يرى الحلول المركّبة ضعفًا. لكن هذا الطموح يصطدم بواقع الدولة وكلفتها الدولية والداخلية، ما يفرض—أحيانًا—كبحًا جزئيًا ويُظهر حدود التحالف.
هل يكسر القمع إرادة شعب؟
التجربة المقارنة—from جنوب أفريقيا إلى إيرلندا وفلسطين—تؤكد أن القمع قد يُخضع الأجساد، لكنه لا يُخضع المعنى. الألم غير المُعترف به يتحوّل إلى سردية جامعة، والسياسات التي تتجاهل هذا القانون تعيد إنتاج الصراع بأشكال أعقد.
صورة الدولة ومعايير القانون
على الصعيد الدولي، تُفاقم هذه السياسات صورة إسرائيل كدولة تبتعد عن معايير القانون وحقوق الإنسان. وحين يصبح القمع سياسة ثابتة لا استثناءً، يفقد تبرير "الظروف الأمنية” صدقيته. المفارقة أن القمع المُسوَّق بوصفه سيادة ينتهي إلى تقليص هامشها عبر العزلة والضغط.
ما يجري في السجون ليس انحرافًا عابرًا، بل مرآة لمرحلة تُدار فيها الأزمات بالقوة بدل الحلول. التحالف مع نتنياهو تحالف مصلحة، والطموح الشخصي يغذّي التصعيد. غير أن القمع، مهما اشتدّ، لا يصنع أمنًا مستدامًا ولا يكسر إرادة شعب يرى في الصمود معنى لوجوده. هنا يتبدّى فشل السياسة حين تتحوّل إلى عقاب، والدولة حين تختزل نفسها في السجن.








