jo24_banner
jo24_banner

إيران بين روايات الانهيار وحذر العالم: هل يصفّق الخارج أم يراقب من خلف الزجاج؟

زياد فرحان المجالي
جو 24 :


في غضون أيام قليلة، تحوّلت إيران إلى مسرح تتقاطع فوقه ثلاث روايات متوازية لا تتطابق، لكنها تتصارع بقوة. رواية شارعٍ يغلي تحت وطأة اقتصاد منهار واحتجاجات تتسع، ورواية دولةٍ تحاول الإيحاء بأن ما يجري عابر ويمكن احتواؤه، ورواية ثالثة أكثر حدّة تتحدث عن "عشية انهيار”، وعن استعدادات طارئة في المطارات، وطائراتٍ حكومية في حالة تأهّب، وعائلات مسؤولين تسارع إلى المخارج.

غير أن السؤال الأهم لم يكن يومًا: ماذا يحدث داخل إيران فقط؟ بل كيف قرأ العالم هذا المشهد، وكيف تفاعل معه؟ وهل لاقت سردية "الانهيار الوشيك” قبولًا دوليًا، أم أن العواصم الكبرى تعاملت معها بحذرٍ بارد يغلّفه القلق؟

من النظرة الأولى، يبدو المشهد الإيراني كثيف الإشارات: احتجاجات في عشرات المدن، شلل اقتصادي متزايد، إغلاق أسواق تقليدية، وتراجع واضح في قدرة الدولة على ضبط الإيقاع اليومي للحياة. لكن القراءة الدولية الأوسع لم تذهب مباشرة إلى إعلان "السقوط”. العالم—في غالبه—فضّل توصيف ما يجري كاضطراب داخلي بالغ الخطورة، لا كحدثٍ حاسم مكتمل المعالم.
هنا يبرز الفارق بين السردية الإعلامية المتداولة إقليميًا، وبين المقاربة الدولية الأكثر تحفظًا. فالتقارير والتحليلات العابرة للحدود ركّزت على الكلفة الإنسانية والسياسية، وعلى احتمالات التصعيد، من دون القفز إلى استنتاج نهائي بأن النظام على وشك الفرار أو الانهيار الفوري. هذا لا يعني نفي الأزمة، بل يعني إدارتها لغويًا وسياسيًا ضمن سقف "الاحتمال”، لا "النتيجة”.

الرواية التي تحدثت عن "عشية انهيار” اعتمدت إلى حد كبير على مؤشرات غير مباشرة: حركة طيران غير اعتيادية، تعطيل أنظمة تتبّع، غياب ظهور علني لبعض القيادات، وتشديد أمني واسع. هذه كلها أدوات معروفة في تحليل حالات الارتباك السياسي والانقلابات المحتملة. لكنها، في منطق العلاقات الدولية، لا تكفي وحدها لإعلان أن القيادة الأولى غادرت أو أن القرار بالفرار اتُّخذ.
التمييز هنا ضروري بين المعلومة والمؤشر والحرب النفسية. فأنظمة الحكم—حين تشعر بأن الأرض تهتز—تلجأ تلقائيًا إلى إجراءات احترازية: نقل الأصول الحساسة، تقليص الظهور الإعلامي، تعطيل الاتصالات، وإظهار جاهزية قصوى في المرافق السيادية. هذه الإجراءات قد تعكس خوفًا حقيقيًا، وقد تعكس استعدادًا للدفاع لا للهروب. العالم يدرك ذلك، ولذلك لا يمنح "شهادة انهيار” إلا حين تتجاوز المؤشرات عتبة الشك.

وعند تفكيك ردود الفعل الدولية، يمكن ملاحظة أربع دوائر أساسية، لكل منها لغتها ومصالحها.

في الدائرة الأميركية، كان الخطاب الأعلى صوتًا والأكثر صدامية. واشنطن رأت في الاضطراب الإيراني فرصة لمراكمة الضغط السياسي والاستراتيجي، لا بالضرورة دعوةً مباشرة لتغيير النظام، بل توظيفًا للحظة في صراع النفوذ الإقليمي. هذا الخطاب يلقى قبولًا داخل جمهور سياسي محدد، لكنه لا يصنع إجماعًا دوليًا، بل يوسّع فجوة الاستقطاب ويمنح طهران مادة جاهزة للحديث عن "تدخل خارجي”.

أما الدائرة الأوروبية والحقوقية، فبدت أكثر حذرًا وانضباطًا لغويًا. التركيز انصبّ على الضحايا، وعلى الحق في الاحتجاج، وعلى القلق من استخدام القوة، من دون تبنّي خطاب إسقاط النظام أو الترويج لانهياره. أوروبا، تاريخيًا، تخشى الفوضى أكثر مما تراهن على المجهول، خصوصًا في دولة بحجم إيران، ذات تأثير مباشر على الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي.

في المقابل، جاءت المقاربة الروسية–الشرقية مختلفة في جوهرها. الأولوية هناك ليست للشارع بل للدولة، وليس للتغيير السريع بل للاستقرار. حتى لو كانت موسكو وبكين تتابعان ما يجري بقلق، فإن فلسفتهما العامة تميل إلى منع الانهيارات غير المنضبطة، لأن كلفتها الجيوسياسية قد تكون أعلى من كلفة بقاء نظام مأزوم.

أما الدائرة الإقليمية، فاختارت الصمت المدروس. دول الشرق الأوسط تقرأ إيران بميزانين: ميزان الصراع معها، وميزان الخوف من عدوى الفوضى. الجميع يعرف أن انهيارًا واسعًا في إيران—إن وقع—لن يبقى داخل حدودها، بل سيرتدّ على الإقليم كله، من أسواق الطاقة إلى ساحات النفوذ المتشابكة.

من هنا، يصبح مفهوم "الاستحسان العالمي” إشكاليًا. فالعالم لا يصفّق لانهيار الدول، حتى لو كان على خلاف مع أنظمتها. أقصى ما يقدّمه هو تعاطف أخلاقي مع معاناة المدنيين، ورفض مبدئي للعنف، مع إبقاء المسافة السياسية الآمنة من أي سيناريو غير محسوب.

ثلاثة ملفات ثقيلة تجعل هذا الحذر مفهومًا: الملف النووي، الذي يطرح أسئلة خطيرة في حال الفوضى؛ ملف الطاقة، حيث تمثّل إيران لاعبًا لا يمكن تجاهله؛ والملف الإقليمي، حيث يمتد النفوذ الإيراني إلى أكثر من ساحة حساسة. هذه العوامل تجعل أي انهيار مفاجئ مصدر قلق دولي، لا مناسبة احتفال.

الخلاصة أن ما يجري في إيران حقيقي وخطير، وأن النظام يواجه ضغطًا غير مسبوق، وأن مؤشرات التصدّع واضحة في الشارع والاقتصاد وأجهزة الحكم. لكن العالم—حتى الآن—يتعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها أزمة مفتوحة لا نهاية مقررة. وبين رواية "الانهيار الوشيك” ورواية "الاحتواء”، يختار الخارج موقع المراقب الحذر، لا المصفّق المتعجل.
 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير