2026-01-13 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

الكرك: الجغرافيا التي كتبت التاريخ… والمدينة التي لم تُغمِض عينها عن القدس

زياد فرحان المجالي
جو 24 :
 تقف الكرك على حافة الجبل كأنها شرفة التاريخ المفتوحة على المشرق كلّه. من هذا الموضع المرتفع في جنوب الأردن، تتشكّل صورة نادرة للمكان: جبالٌ شامخة، وأوديةٌ سحيقة، وغورٌ ينخفض فجأة حتى البحر الميت، ثم يمتد النظر غربًا ليبلغ القدس في الأفق. ليست الكرك مدينة عادية؛ إنها جغرافيا ناطقة، كتبت تاريخها بصلابة الصخور وحدّة الانحدارات ووضوح الرؤية.
جغرافيًا، ترتفع الكرك أكثر من ألف متر فوق سطح البحر، ثم تهوي عبر وادي الكرك هبوطًا حادًا نحو الأغوار. هذا الوادي، بمنحدراته السحيقة ومساراته المتعرجة، شكّل درعًا طبيعيًا للمدينة عبر القرون، وصنع شخصية المكان: حصينة، متحفّظة، لا تُؤتى إلا عن عناء. وفي قلب البحر الميت، تبرز شبه جزيرة اللسان كعلامة جيومورفولوجية فريدة، تُرى بوضوح من الجو، وتذكّر بأن الأرض هنا حيّة، تتبدّل وتتحرّك، مثل تاريخها تمامًا.
هذه الجغرافيا لم تكن صامتة يومًا. فمنذ العصور المؤابية، حين كانت الكرك (قير مؤاب) مركزًا سياسيًا وإداريًا، أدرك الإنسان أن السيطرة على هذا المرتفع تعني الإمساك بمفاتيح الطرق بين الشام والجزيرة العربية وفلسطين. ومع العهدين الروماني والبيزنطي، تعزّز دورها كحلقة وصل تجارية وعسكرية. ثم جاءت الحقبة الصليبية لتكشف المعنى الاستراتيجي الأقصى للمكان، حين ارتفعت قلعة الكرك على نتوءٍ صخري، فغدت شاهدًا حجريًا على صراع الإرادات، ومسرحًا لمواجهاتٍ رسمت ملامح الإقليم.
لكن الكرك ليست قلعةً وحسب. فهي مدينة مجتمعٍ جبليٍّ زراعي، تشكّل وعيه بين الزيتون والقمح والكرمة، وبين مواسم القحط والخصب. هذا التوازن القاسي بين المنع والعطاء صاغ إنسانًا صبورًا، شديد التعلّق بالأرض، واعيًا لمعنى الكرامة والاستقلال. لذلك لم يكن حضور الكرك في التاريخ الوطني الأردني عابرًا؛ كانت حاضرة في الثورة العربية الكبرى، وفي بناء الدولة، وفي كل اختبارٍ استدعى ثبات الموقف.
ومن السماء، تتجلّى حقيقة رمزية عميقة: عين الكرك على القدس. في الأيام الصافية، ومن نقاط مرتفعة في جنوب الأردن، تمتد الرؤية غربًا، فتلوح الخليل، ثم القدس في الأفق البعيد، حيث المسجد الأقصى حاضر في الوعي قبل أن يكون في النظر. ليست المسافة هنا حسابًا بصريًا فحسب، بل علاقة تاريخية وروحية وسياسية، تقول إن فلسطين جزء من هذا المشهد الطبيعي، وإن الجغرافيا سبقت السياسة في رسم الارتباط.
تاريخيًا، شكّلت الكرك عمقًا استراتيجيًا لفلسطين؛ عبرها مرّت القوافل وطرق الحج والجيوش، وحملت معها الأخبار والتحالفات والأفكار. وفي الذاكرة الشعبية، ظلّت القدس مرئية بالقلب حتى حين تغيب عن العين. لذلك لم تكن مواقف الكرك منفصلة عن محيطها؛ فالمكان علّم أهله أن ما يُرى من الأعلى لا يُنسى في الأسفل.
اليوم، حين تلتقط صورة من ارتفاع أحد عشر كيلومترًا، تجمع الكرك وقراها وأوديتها، والبحر الميت بلسانه، والبحر المتوسط البعيد، وجبال القدس في الأفق، فهي ليست لقطة جمال فحسب، بل وثيقة جغرافيا سياسية. صورة تقول إن هذه الأرض مترابطة، وإن الحدود التي رسمتها السياسة لم تستطع أن تفصل ما جمعته الطبيعة والتاريخ.
ولا تكتمل حكاية الكرك بالجغرافيا وحدها، ولا بالتاريخ المدوَّن في الحجارة والقلعة والأودية، ما لم يُذكر أهلها؛ أولئك الذين شكّلوا الامتداد الحيّ لهذا الإرث العريق. فأهل الكرك اليوم هم أبناء تلك التضاريس القاسية التي علّمتهم الصبر، وربّت فيهم النخوة، وصقلت معنى الشهامة بوصفها سلوكًا يوميًا لا شعارًا. في الكرك، لا تُقاس الرجولة بعلو الصوت، بل بثبات الموقف، ولا تُعرَف الكرامة بالكلام، بل بالفعل ساعة الشدّة. البيوت مفتوحة، والقلوب أوسع من الأبواب، والضيف مُقدَّم لا يُسأل عن اسمه قبل أن تُسأل حاجته.
أهل الكرك، بمدنهم وقراهم وبواديهم، هم سلالة موقف قبل أن يكونوا سلالة نسب؛ يحملون وفاءً للأرض والدولة، ووعيًا بأن الانتماء مسؤولية. هم امتداد التاريخ حين يمشي على قدمين، وحين يُختبر، لا يخذل.
هكذا تبقى الكرك: مدينة تقف على الحافة، ترى بعيدًا، وتحفظ الذاكرة من عمق الوادي إلى أفق القدس. جغرافيتها ليست خلفية للتاريخ، بل شريكته الكاملة، وسببًا في أن تبقى عينها مفتوحة… لا تنام عن القدس.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير