عندما يُجمع الأردنيون: دروس في الوطنية من حالة أبو ثامر
د. محمد تركي بني سلامة
جو 24 :
في زمنٍ تتسع فيه مساحات الانقسام، وتشتد فيه الخلافات السياسية والفكرية، وتضيق فيه مساحات الإجماع الوطني، تبرز أحياناً حالات نادرة تعيد التذكير بجوهر الدولة، ومعنى الوطنية الصادقة، وقيمة الموقف المبدئي. ومن أبرز هذه الحالات ما شهده الأردن مؤخراً من إجماع شعبي واسع على الدعاء والتعاطف مع رجل الدولة القامة الوطنية الكبيرة، أحمد عبيدات (أبو ثامر)، في محنته الصحية.
ليست المسألة هنا مجرد تعاطف إنساني مع رجل "عليل”، بل هي حالة وجدانية وطنية جامعة، قلّما نشهد مثلها في وقتنا الحاضر، حيث توحّدت مشاعر الأردنيين، على اختلاف اتجاهاتهم السياسية، وتباين مواقعهم الفكرية، وتنوّع امتداداتهم الجغرافية، على الدعاء الصادق لرجل دولة، دون حسابات أو اصطفافات أو مزايدات.
هذا الإجماع الشعبي لم يأتِ من فراغ، ولم يكن وليد لحظة عاطفية عابرة، بل هو نتاج مسيرة طويلة من المواقف المبدئية التي جسدها أبو ثامر، سواء حين كان في موقع المسؤولية، أو عندما اقترب من نبض الشارع والمعارضة الوطنية، محافظاً على ثباته الأخلاقي، ونزاهته السياسية، ووضوح انحيازه لقضايا الوطن والأمة والإنسان.
إن محبة الناس واحترامهم لا تُمنح بالألقاب ولا تُفرض بالمناصب، بل تُكتسب عبر المواقف، والقدرة على قول "لا” عندما تستدعي المصلحة الوطنية ذلك، وعبر الالتزام بالثوابت، وهو ما يفسر هذا الالتفاف الشعبي النادر حول شخصية وطنية بحجم أحمد عبيدات.
وتعيد هذه الحالة إلى الذاكرة الأردنية نماذج راسخة لرموز وطنية شكّلت أعمدة في تاريخ الدولة، من أمثال هزاع المجالي ووصفي التل، اللذين مثّلا نموذجاً في الصلابة الوطنية والقرار السيادي، ودفعا حياتهما ثمناً لمواقف لم تساوم على الأردن ولا على قضايا الأمة.
كما يستحضر الأردنيون رموزاً وطنية رحلت وبقي أثرها، مثل نايف الخريشا ،و ملحم التل و يوسف العظم ، و يعقوب زيادين، وعبد اللطيف عربيات، وناهض حتر، ومحمد الحموري، وليث الشبيلات وغيرهم ممن لا تسعفنا الذاكرة الان بتذكرهم، رحمهم الله جميعاً، وهم من أولئك الذين اختلف الناس معهم، لكنهم اتفقوا على صدق انتمائهم، وجرأة مواقفهم، وإخلاصهم لفكرة الوطن.
وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال رموز وطنية ما تزال حاضرة بيننا، مثل صالح العرموطي ، واحمد الكوفحي ،ورياض النوايسة ،وسالم الفلاحات، وعلي محافظة ، ورحيل الغرايبة، وعبد الكريم الكباريتي، وعبد الله العكايلة، وطاهر العدوان ، وعون الخصاونة، وطاهر المصري ،وعبدالرؤوف الروابدة ، وعبدالكريم الدغمي ، وينال فريحات ، وطلال صيتان الماضي ، وغيرهم من القامات الوطنية التي أسهمت، كلٌّ من موقعه، في إثراء الحياة السياسية والفكرية الأردنية. نتمنى لهم جميعاً طول العمر وموفور الصحة والعافية.
إن القاسم المشترك بين هذه القامات الوطنية، أحياءً وراحلين، هو الالتزام بالموقف المبدئي، والحفاظ على مسافة أخلاقية واضحة بين الدولة والمصلحة الشخصية، وبين السلطة والمسؤولية، وهو ما يفسر بقاء أسمائهم حية في الذاكرة الوطنية.
من هنا، فإن حالة الإجماع الشعبي حول أبو ثامر، يجب ألا تُقرأ فقط بوصفها حدثاً إنسانياً، بل باعتبارها رسالة سياسية وأخلاقية عميقة، تستحق من المسؤولين الأردنيين التوقف عندها طويلاً، لا للاحتفاء الخطابي، بل لاستخلاص الدروس والعبر: كيف يُصنع الاحترام؟ وكيف تُبنى الثقة بين الدولة والمجتمع؟
ختاماً، نسأل الله الشفاء العاجل لرجل الدولة أحمد عبيدات، وأن يحفظ الأردن، ويبارك في رجاله المخلصين، فالأوطان لا تُبنى بالضجيج، بل بالمواقف التي تترك أثراً باقياً في وجدان الناس.








