2026-02-02 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

من الخوف من ألمانيا إلى صدمة ترامب: لماذا أصبحت أوروبا بلا قرار عسكري؟

من الخوف من ألمانيا إلى صدمة ترامب: لماذا أصبحت أوروبا بلا قرار عسكري؟
جو 24 :


كتب زياد فرحان المجالي - 

لم تستيقظ أوروبا فجأة لتكتشف أنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. ما يحدث اليوم ليس انهيارًا طارئًا، بل انكشاف متأخر لمسار طويل بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحوّل مع الزمن إلى عجز بنيوي جرى التعايش معه، لا معالجته.

بعد عام 1945، لم يكن التحدي الأوروبي هو إعادة البناء فقط، بل الخوف من تكرار الكارثة. الخوف لم يكن من الخارج وحده، بل من الداخل، وتحديدًا من عودة ألمانيا قوةً عسكرية مهيمنة. لذلك، لم تُفرض القيود على ألمانيا بقرار أميركي منفرد، بل بتوافق أوروبي–دولي هدفه واحد: منع الحرب بأي ثمن.

لكن هذا "الثمن” كان مرتفعًا على المدى الطويل.
فبدل بناء قوة أوروبية جماعية مستقلة، جرى تفويض الأمن إلى الولايات المتحدة، بوصفه حلًا مريحًا يردع الخصوم ويضبط التوازنات داخل القارة في آن واحد.

هكذا وُلد حلف شمال الأطلسي، لا كتحالف عسكري فقط، بل كآلية سياسية لإدارة الخوف الأوروبي من نفسه. الناتو وفّر الردع، وأراح العواصم الأوروبية من سؤال القيادة، وسمح لها بالتركيز على الاقتصاد ودولة الرفاه بدل السلاح.
خلال الحرب الباردة، ترسّخ هذا النموذج. الأمن قرار أميركي، وأوروبا شريك منفّذ. لم يكن ذلك مفروضًا بالقوة، بل مقبولًا طوعًا. فالحماية الأميركية كانت "مضمونة”، فيما كان الاستثمار العسكري الأوروبي مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا، وربما مثيرًا لانقسامات داخلية.
وعندما انتهت الحرب الباردة، ظنّت أوروبا أن التاريخ العسكري طُوي.
خفضت الجيوش، قلّصت الميزانيات، ووسّعت الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا، من دون أن تبني له عمودًا فقريًا أمنيًا. كانت تلك سنوات الإهمال الذهبي: سلام بلا كلفة، وأمن بلا قرار.
ثم جاء دونالد ترامب ليكسر القاعدة غير المكتوبة.
لم ينسحب من أوروبا، لكنه قال ما لم يُقَل علنًا من قبل:
الأمن ليس مجانيًا، ومن يريد الحماية عليه أن يدفع.
لم تكن هذه الفكرة جديدة في واشنطن، لكن الجديد كان اللغة: مباشرة، سياسية، موجّهة للرأي العام الأميركي لا للحلفاء. وهنا كانت الصدمة الأوروبية. ليس لأن الكلام غير دقيق، بل لأنه كشف حقيقة جرى تجاهلها طويلًا: الاعتماد على الولايات المتحدة خيار سياسي لا قانون طبيعي.
هل تتحمّل واشنطن مسؤولية هذا العجز؟ جزئيًا فقط.
الولايات المتحدة استفادت من قيادة النظام الأمني الغربي، وشجّعت ضمنيًا تقليص الدور الأوروبي، لكنها لم تمنع أوروبا من بناء قوتها. القرار الأوروبي كان واعيًا:
الرفاه أولًا، والسلاح لاحقًا… أو ربما أبدًا.
المفارقة اليوم أن أوروبا تعتمد أمنيًا على دولة لم تخُض منذ عقود حربًا كبرى انتهت بنصر استراتيجي واضح، من أفغانستان إلى العراق. الولايات المتحدة لم تضعف، لكنها أعادت ترتيب أولوياتها، ولم تعد راغبة في لعب دور الضامن غير المشروط.
وهنا المأزق الحقيقي:
أوروبا لا تستطيع الاستغناء عن المظلّة الأميركية،
ولا تملك بعد القدرة على الاستقلال عنها،
ولا تزال، في العمق، تخشى من إعادة فتح سؤال القوة داخل القارة.
ما كشفته مرحلة ترامب ليس انسحابًا أميركيًا، بل نهاية الوهم.
وهم أن الأمن يمكن تفويضه إلى الخارج إلى ما لا نهاية.
العجز الأوروبي اليوم هو نتيجة:
خوف ما بعد 1945،
إدارة أميركية للأمن خلال الحرب الباردة،
إهمال أوروبي بعد 1991،
وصراحة أميركية متأخرة كسرت المجاملة.
في ميزان التاريخ، لم تكن المظلّة الأميركية خطأ في زمنها.
لكن تحويلها إلى بديل دائم عن القرار السيادي هو الخطأ الذي تدفع أوروبا ثمنه اليوم.
السؤال لم يعد عن روسيا فقط،
بل عن أوروبا نفسها:
هل تريد أن تكون شريكًا أمنيًا كاملًا… أم محمية دائمة؟

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير