رسالة وفاء إلى رجلٍ بحجم وطن
زياد فرحان المجالي
جو 24 :
ليس كلُّ من يغيب يُفتقد…
وليس كلُّ من يرحل يترك فراغًا.
لكن حين يرحل رجلٌ مثل أحمد عبيدات، تشعر الأوطان أن شيئًا من روحها قد انطفأ.
اليوم، ونحن نودّعه وقد انتقل إلى ذمّة الله، لا ننعى شخصًا فحسب، بل ننعى مدرسةً كاملة في الأخلاق العامة، ونموذجًا نادرًا لرجل الدولة الذي بقي وفيًّا لمبادئه حتى اللحظة الأخيرة.
ننعى صوتًا ظلّ عاليًا حين انخفضت الأصوات، وننعى ضميرًا ظلّ يقظًا حين نام كثيرون، وننعى رجلًا لم يعرف المساومة يومًا، ولم يقبل أن يكون جزءًا من جوقة التبرير، ولا من طابور الصمت، ولا من سوق المواقف الرخيصة.
رحل أبو ثامر…
لكن سيرته لم ترحل.
كان من ذلك الجيل الذي بنى الدولة لا ليملكها، وخدم الوطن لا ليورّثه، وحمل المسؤولية أمانةً لا غنيمة.
قال "لا” حين كان قولها ثمنًا مكلفًا، ووقف بثباتٍ في المواقف الوطنية الكبرى، ورفض كل ما رآه مساسًا بكرامة الدولة وحقوقها، دون أن يخشى عاقبة رأيٍ أو حسابات مرحلة.
لم يتراجع يومًا، ولم يبدّل موقفًا، لأن الحق – كما كان يؤمن – لا يحتاج إلى تبرير.
لم يكن سياسيًا موسميًا، ولا معارضًا على المقاس.
كان رجل موقفٍ قبل أن يكون صاحب منصب.
في زمنٍ صار فيه "الإنجاز” يقاس بما يُجمع من مال، وبما يُفتح من شركات، وبما يُسجّل من أرصدة…
بقي أحمد عبيدات من طينة أخرى:
نظيف اليد، صافي السيرة، واضح المبدأ.
خرج من المسؤولية كما دخلها:
بضميرٍ أبيض، وجيبٍ خالٍ من مالٍ حرام، واسمٍ لم تلوثه شبهة.
لم نصادف له قصرًا، ولا إمبراطورية، ولا حسابات في الظل.
بيته المتواضع كان أبلغ شهادة على نزاهته من ألف خطاب.
بيتٌ بسيط… لكنه أوسع من قصور الفاسدين، وأغنى من ثروات الذين باعوا ضمائرهم.
ومن أندر ما يُقال في هذا الزمن:
أنه لم يحوّل الدولة إلى عقار عائلي،
ولم يجعل من منصبه سلّمًا لتوريث النفوذ،
ولم يرفع أبناءه فوق أبناء الأردنيين.
وهذه وحدها تكفي ليكون اسمه في خانة "الاستثناء النبيل”.
كان يؤمن أن الفساد المحمي أخطر من الاحتلال،
وأن دولة تُكافئ الفاسد وتحاصر النزيه لا يمكن أن تنهض.
حذّر من العملاء في الداخل قبل أن يحذّر من أعداء الخارج،
ودفع ثمن صراحته تهميشًا وإقصاءً… لكنه لم يساوم.
ومثلما كان واضحًا في الشأن الوطني، كان ثابتًا في بوصلته القومية.
وقف مع فلسطين بلا تردد، ومع غزة بلا حسابات،
ورأى في كل محطات الصراع العربي لحظة حقٍ لا تُقاس بميزان الربح والخسارة.
لم يتاجر بالقضية، ولم يحوّلها إلى منبر شعبوية،
بل حملها كقضية شرف، ودفع ثمنها موقفًا صادقًا لا استعراضًا عابرًا.
اليوم، برحيله، نخسر واحدًا من القلائل الذين ظلوا يذكّرون الدولة بمعناها الحقيقي:
أن الوطن ليس شركة،
ولا غنيمة،
ولا مزرعة خاصة،
وأن الأردني ليس "قاطنًا” بل مواطنًا شريكًا في القرار.
رحل أحمد عبيدات…
لكن إرثه سيبقى شاهدًا على زمنٍ كان فيه للرجال وزنٌ وقيمة.
سينضم اسمه اليوم إلى مواكب بناة الأردن الأوائل،
إلى الذين سبقوه ومهّدوا الطريق،
إلى ذلك الجيل الذي آمن بأن الدولة فكرة قبل أن تكون مؤسسة،
وأن الكرامة أثمن من كل المناصب.
لقد كان حكاية وطنٍ في زمن رجال.
رحمك الله يا أبا ثامر…
ستبقى اسمًا ثقيلًا على من باعوا،
وذكرى مشرّفة عند من صمدوا،
ومعيارًا يُقاس به معنى الشرف العام.
غبت بالجسد…
لكنّك تركت موقفًا لن يُمحى،
وكلمةً ستبقى تلاحقهم،
وسيرةً ستبقى تُدرّس للأجيال.
دعاء الوداع
اللهم يا واسع الرحمة، يا غفور يا كريم…
اغفر لعبدك أحمد عبيدات، وتقبّله قبولًا حسنًا.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة،
ونقّه من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته،
وارفع درجته في عليّين،
واجمعه مع الصالحين والصديقين والشهداء.
اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره،
وأهلًا خيرًا من أهله،
واجعل ذكراه الطيبة صدقةً جاريةً له إلى يوم الدين.
زياد فرحان المجالي
رسالة وفاءٍ وتقديرٍ إلى رجلٍ استحق احترام وطنٍ كامل.








