أحمد عبيدات… ضميرٌ وطني لا يغيب
د. محمد تركي بني سلامة
جو 24 :
ليس سهلاً على الأوطان أن تودّع رجالها الكبار، ولا هيّناً على الذاكرة الوطنية أن تستوعب غياب قامة بحجم دولة السيد أحمد عبدالمجيد عبيدات. فبعض الرجال لا يمرّون في حياة الدول مرور العابرين، بل يتركون أثرهم عميقاً في الوعي الجمعي، ويغادرون وهم في ذروة حضورهم المعنوي، وقد تحوّلوا إلى رمز وإجماع، وإلى نقطة التقاء نادرة في زمن التباين والاختلاف.
برحيل أحمد عبيدات، لا نفقد شخصاً شغل مواقع رسمية فحسب، بل نفتقد حالة وطنية متكاملة، ورجلاً جسّد معنى الدولة في سلوكها الأخلاقي قبل مواقعها الدستورية، وفي ضميرها الحي قبل قراراتها الإجرائية. لقد كان من أولئك القلائل الذين تتفق حولهم القلوب، مهما اختلفت المواقع، لأنهم لم يقدّموا أنفسهم ممثلين لفئة، ولا ناطقين باسم تيار، بل صوتاً صادقاً للوطن كما ينبغي أن يكون.
تميّز الراحل الكبير بمواقف وطنية مشرفة، لم تكن يوماً رهينة ظرف، ولا أسيرة حسابات، بل نابعة من قناعة راسخة بأن الكرامة الوطنية لا تتجزأ، وأن الصدق في الشأن العام ليس ترفاً، بل واجب أخلاقي. لذلك، ظل حضوره محاطاً بالاحترام، حتى من المختلفين معه، لأنهم كانوا يدركون أن ما يقوله لا يُقال بدافع الخصومة، بل بدافع الحرص العميق على الدولة ومكانتها ومستقبلها.
لقد جسّد أحمد عبيدات حالة نادرة من الإجماع الوطني، ذلك الإجماع الذي لا يُصنع بالخطاب العاطفي، ولا يُفرض بالسلطة، بل يُكتسب عبر مسيرة طويلة من النزاهة، والثبات، والوضوح. كان صوته واضحاً، لا يلتبس، وموقفه معروفاً، لا يتلوّن، ولذلك وثق به الناس، ورأوا فيه ضميراً وطنياً يقظاً، وميزاناً أخلاقياً يذكّر بأن الدولة فكرة قبل أن تكون مؤسسة.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات وقلّ الوزن، بقي عبيدات قيمة مضافة للخطاب الوطني، ومبعث فخر واعتزاز، ليس لأنه كان معارضاً أو مؤيداً، بل لأنه كان منحازاً دائماً لفكرة الوطن، ولحق الناس في الكرامة والمشاركة، وللمبادئ الكبرى التي لا تسقط بالتقادم. ولهذا، حين نُعي، لم تنعه جهة بعينها، بل نعاه الوطن بأطيافه المختلفة، في مشهد نادر يعكس مكانته في القلوب قبل السجلات.
إن غياب أحمد عبيدات يترك فراغاً معنوياً كبيراً، لكنه في الوقت ذاته يخلّف إرثاً وطنياً ثميناً، يتمثل في نموذج رجل الدولة الذي لا يفصل بين الموقف والأخلاق، ولا بين المسؤولية والضمير. وسيبقى اسمه مرتبطاً بتلك اللحظات التي شعر فيها الأردنيون أن هناك من يقول ما يشعرون به، ويمثل ما يتمنونه لوطنهم.
وانطلاقاً من هذا الإرث، لا يمكن الحديث عن أحمد عبيدات دون التوقف عند علاقته بالمعارضة الوطنية، تلك العلاقة التي اتسمت بالاحترام العميق لفكرة الاختلاف بوصفها ركيزة من ركائز الدولة القوية. لقد آمن بأن المعارضة ليست نقيضاً للوطن، بل أحد صمّامات أمانه، وأن التنوع في الرأي مصدر غنى لا تهديد. لذلك ظل حضوره في الفضاء العام عقلانياً، متزناً، منحازاً للحوار، ومدافعاً عن حق الناس في التعبير والمشاركة، دون أن يتخلى عن إيمانه العميق بهيبة الدولة ووحدتها.
أما فلسطين، فقد كانت عنده قضية الموقف المبدئي الذي لا يقبل التأجيل ولا المساومة. لم ينظر إليها باعتبارها ملفاً سياسياً عابراً، بل بوصفها جوهر الانتماء القومي والإنساني، وبوصلة لا يجوز أن تختل. ومن فلسطين، امتدت رؤيته إلى عمقها العربي والإسلامي، حيث كان يؤمن بأن قضايا الأمة مترابطة، وأن كرامة أي بلد عربي أو إسلامي هي جزء من كرامة الجميع، وأن التضامن الصادق هو الطريق الوحيد لحماية المستقبل المشترك.
رحم الله أحمد عبيدات، فقد غاب الجسد وبقي المعنى، وبقيت السيرة شاهدة على أن بعض الرجال حين يرحلون، يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى ضمير حيّ يرافقه طويلاً. إنا لله وإنا إليه راجعون.








