jo24_banner
jo24_banner

أخطر ما لم يُقل في ملفات إبستين: ما كنت تبحث عنه في السرير… كان مخفيًا في المحكمة

حلمي الأسمر
جو 24 :
 

انشغل العالم بملف جيفري إبستين بوصفه قصة انحراف جنسي: فتيات قاصرات، مليارديرات، طائرات خاصة، جزر معزولة، شبكات استغلال، وأسماء لامعة من عالم السياسة والمال. تحوّلت القضية إلى ما يشبه «إباحية سياسية»؛ فضيحة تُستهلك بصريًا وأخلاقيًا على منصات التواصل، تُعاد تدويرها في صور وتسريبات وشهادات وصراخ أخلاقي لا ينتهي. بدا وكأن جوهر القصة كلّه محصور في السؤال الأولي: من نام مع من؟

لكن هذه هي الخديعة الكبرى.
أخطر ما في ملف إبستين لم يكن الجنس، بل ما جرى في الغرف الباردة للمحاكم، لا في غرف النوم. لم يكن في السرير، بل في النصوص القانونية الموقّعة، في اتفاقات التسوية، في أسماء المدعين العامين، في القضاة، في مكاتب المحاماة، في مسارات إغلاق القضايا، وفي الطريقة التي حُوِّلت بها جريمة منظّمة إلى «خطأ أخلاقي فردي» بلا شركاء.

القضية الحقيقية لا تبدأ من جزيرة إبستين، بل من سنة 2008، حين وُقّعت صفقة قضائية رسمية في ولاية فلوريدا، تُعرف باسم اتفاق عدم الملاحقة القضائية، بإشراف المدعي العام الفيدرالي آنذاك ألكسندر أكوستا. هذه الصفقة منحت إبستين حصانة كاملة من الملاحقة الفيدرالية، واكتفت بتهمة مخففة على مستوى الولاية، وعقوبة شكلية من ثلاثة عشر شهرًا في ما سُمّي «سجنًا نهاريًا»، يخرج فيه يوميًا لساعات لمتابعة أعماله كأن شيئًا لم يكن.

غير أن الجملة الأخطر في هذه الصفقة لم تكن مدة العقوبة، بل فقرة واحدة صغيرة، باردة، قانونية، تنص على منح حصانة لأي «شركاء محتملين» دون ذكر أسمائهم.
شبكة كاملة أُغلقت قانونيًا بجملة واحدة.
متآمرون بلا أسماء.
جرائم بلا شركاء.
نظام عدالة يوقّع رسميًا على تعليق العدالة.

والأفظع أن الضحايا أنفسهم لم يتم إبلاغهم أصلًا بهذه الصفقة، في خرق صريح لقانون أمريكي يضمن حقوق ضحايا الجرائم، أي أن الدولة لم تكتفِ بحماية المتهم، بل انتهكت قانونها الخاص كي تفعل ذلك.

وحين انفجرت القضية مجددًا سنة 2019، خرج أكوستا ليقول علنًا وعلى مسؤوليته إن جهات رسمية أخبرته بأن إبستين «ينتمي للاستخبارات»، وطُلب منه تركه وشأنه. جملة واحدة أخطر من ألف صورة تسريب، لأنها لا تقول إن هناك شبكة جنسية فقط، بل تقول إن هناك طبقة حماية سيادية فوق القانون.

وفي العام نفسه، أصدر قاضٍ فدرالي اسمه كينيث مارا حكمًا أكد فيه أن الادعاء العام تصرّف بسوء نية، وانتهك حقوق الضحايا، وتعمّد إخفاء الصفقة عنهم. أي أن الصفقة نفسها كانت غير شرعية قانونيًا، لكنها أُقرت ونُفذت وانتهت، ثم جاء الاعتراف بعد فوات الأوان.

وهنا تنقلب القصة كلها: لسنا أمام منحرف محمي بالنفوذ، بل أمام نظام نفوذ يحمي نفسه عبر المنحرفين. إبستين ليس جوهر القضية، بل أداة اختبار. اختبار لنظام العدالة الغربي: هل يحاسب الأقوياء حين تتحول الجريمة إلى تهديد سياسي؟

سجلات الرحلات الجوية موجودة. التواريخ موجودة. الأسماء موجودة. التنقلات بين نيويورك وفلوريدا والجزر الخاصة والعواصم الأوروبية موثقة بدقة. لكنها بلا قيمة إعلامية، لأنها لا تحتوي صورًا صادمة، ولا مشاهد دامية، ولا «شيطانًا واضحًا». فقط شبكة علاقات.

والإنسان المعاصر لا يتفاعل مع الشبكات، بل مع الفضائح.

لذلك جرى تفريغ القضية من معناها الحقيقي عبر تضخيم معناها الغريزي. جرى تحويلها من ملف عدالة إلى مادة إثارة. من سؤال سياسي إلى سؤال جنسي. من: كيف أُغلقت القضايا؟ إلى: ماذا كانوا يفعلون في السرير؟

وهنا تكمن أخطر هندسة تضليل في العصر الحديث: لم يعودوا بحاجة لإخفاء الجرائم، بل يكفي أن يعيدوا صياغتها نفسيًا بحيث ينشغل الجمهور بالقشرة، ويهمل البنية. بالجنس، لا بالقانون. بالفضيحة، لا بالإفلات من العقاب.

إبستين لم يكن فضيحة أخلاقية.
كان فضيحة قضائية.
فضيحة دولة.
فضيحة نظام عدالة كشف، دون أن يقصد، أن القانون في الغرب لا يسقط حين يخطئ الأفراد، بل حين يتورط الأقوياء.

والمفارقة القاتلة أن أخطر ما في القصة لم يكن محجوبًا أو سرّيًا، بل منشورًا ومهمَلًا. موجودًا ومملًا. متاحًا وغير مثير. لأن الحقيقة في هذا العصر لا تُقمع… بل تُدفن تحت فائض الإثارة.

ما كنت تبحث عنه في السرير…
كان مخفيًا في المحكمة.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير