jo24_banner
jo24_banner

تسريع زيارة نتنياهو إلى واشنطن: سباق مع الوقت أم سباق مع السياسة؟

تسريع زيارة نتنياهو إلى واشنطن: سباق مع الوقت أم سباق مع السياسة؟
جو 24 :
كتب زياد فرحان المجالي * 

تسريع زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن قبل موعدها بأسبوعين لا يمكن قراءته كتفصيل بروتوكولي أو تعديل تقني في جدول المواعيد. القرار بحد ذاته رسالة سياسية متكاملة الأركان، تحمل في طياتها قلقًا إسرائيليًا عميقًا من أن تتبلور تفاهمات أميركية–إيرانية بعيدًا عن الحسابات الإسرائيلية، وربما على حسابها.

هذه العجلة غير المسبوقة تقول الكثير: إسرائيل تخشى أن يُكتب مسار المفاوضات مع طهران بحبرٍ أميركي صافٍ، وأن تتحول إلى "مُتلقٍ للنتائج” بدل أن تكون لاعبًا أساسيًا في صياغتها. لذلك جاءت الزيارة المبكرة محاولة لقطع الطريق على أي تفاهمات قد تُعلن فجأة، أو حتى تُرسم خطوطها العريضة في الكواليس.

لماذا الآن تحديدًا؟
السبب المباشر لتقديم الزيارة هو ما تستشعره تل أبيب من ميلٍ أميركي نحو "صفقة مركّزة” مع إيران، صفقة تمسك بالملف النووي وحده، وتؤجل بقية الملفات الحساسة إلى مراحل لاحقة. بالنسبة لنتنياهو، هذا السيناريو هو الأسوأ سياسيًا وأمنيًا: اتفاق يجمّد التوتر النووي مؤقتًا، لكنه يترك ميزان القوة الإقليمي كما هو – الصواريخ الباليستية، والشبكات المسلحة الحليفة لإيران، وقدرتها على المناورة والردع.

من وجهة النظر الإسرائيلية، أي اتفاق يقتصر على النووي فقط يعني أمرين خطيرين: أولًا تقييد حرية إسرائيل في العمل العسكري مستقبلًا، وثانيًا منح إيران مظلة سياسية واقتصادية تعيد تأهيلها دون أن تُنزع أدوات قوتها الحقيقية.

لكن لماذا هذه السرعة بالتحديد؟
لأن المفاوضات الجارية اليوم ليست كمفاوضات الأمس. واشنطن تدير الملف هذه المرة تحت مظلة حضور عسكري كثيف في الإقليم، ومع أدوات ضغط اقتصادية جديدة، ومع رغبة واضحة في إظهار أن الإدارة الأميركية قادرة على فرض شروطها دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هذه المعادلة تجعل كل يوم حاسمًا. فإذا تشكّلت "مبادئ تفاهم” في جولة أو جولتين، ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع سياسي جاهز، لا أمام ساحة تفاوض مفتوحة.
ما الذي يتوقعه نتنياهو من اللقاء؟
إسرائيل ستذهب إلى واشنطن بثلاثة مطالب مركزية:
قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم وآليات رقابة مشددة.
إدخال ملف الصواريخ الباليستية ضمن أي صفقة محتملة.
ربط أي تخفيف للعقوبات بسلوك إيران الإقليمي ودعمها للتنظيمات المسلحة.
غير أن تحقيق هذه المطالب ليس مضمونًا. فإيران تعتبر الصواريخ الباليستية "عصب الردع” في استراتيجيتها، وتعتبر أذرعها الإقليمية "عمقها الدفاعي”، بينما تنظر واشنطن إلى هذه الملفات باعتبارها أوراقًا يمكن مقايضتها تدريجيًا، لا دفعة واحدة.
أين مصلحة الولايات المتحدة؟
السؤال الجوهري: ما الذي تريده واشنطن فعلًا من هذه العملية؟
الولايات المتحدة لا تنظر إلى الصواريخ الباليستية من زاوية إسرائيلية ضيقة فقط، بل من زاوية مصالحها المباشرة: أمن قواعدها في الخليج، حماية أساطيلها، سلامة الملاحة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة. الصواريخ بالنسبة للعقل الأميركي ليست تفصيلًا، بل عنصر يحدد كلفة أي أزمة مقبلة.
ومع ذلك، تدرك واشنطن أن إدخال ملف الصواريخ بقوة إلى الطاولة منذ البداية قد ينسف المفاوضات برمتها. لذلك تميل إلى استراتيجية "الطبقات المتدرجة”:
طبقة أولى نووية قابلة للإعلان،
طبقة ثانية صاروخية تُدار عبر قنوات أمنية،
وطبقة ثالثة تخص الوكلاء تُترجم إلى سلوك ميداني منضبط بدل نصوص مُلزمة.
بهذا المعنى، تريد الولايات المتحدة تقليل "قابلية الاشتعال” في الإقليم، حتى لو لم تُنهِ التهديدات بالكامل. إنها سياسة خفض المخاطر لا إلغائها.
الإقليم يتحرك… خارج الحسابات الإسرائيلية
في خضم هذا المشهد، يبرز تحرك تركي–مصري–سعودي متسارع، لا بوصفه خلفية ثانوية، بل كجزء من هندسة إقليمية جديدة.
التقارب التركي مع السعودية في مجالات الدفاع، والتنسيق التركي–المصري المتجدد، يعكسان رغبة إقليمية في بناء توازنات مستقلة عن المظلة الأميركية وحدها. هذه التحركات ترسل لواشنطن رسالتين واضحتين:
أن حلفاءها لا يريدون حربًا مفتوحة تُفجّر الاقتصاد والطاقة،
وأنهم في الوقت ذاته يطوّرون أدوات ردع ذاتية تحسبًا لأي اهتزاز في الموقف الأميركي.
بالنسبة لإسرائيل، هذا المشهد مقلق سياسيًا. فهو لا يشكل محورًا معاديًا لها بالضرورة، لكنه يخلق فضاءً إقليميًا أكثر استقلالًا عن الرؤية الإسرائيلية للأمن. وكلما ازدادت قدرة أنقرة والرياض والقاهرة على تنسيق مصالحهم، تضاءلت قدرة إسرائيل على احتكار تعريف الخطر في واشنطن.
ومصر تحديدًا تتحرك بدافعٍ واضح: منع أي حرب قد تنتج تهجيرًا جديدًا أو انهيارًا إنسانيًا يضغط على حدودها، وترسيخ دورها كوسيط لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص غزة والإقليم.
هل بدأت واشنطن تضبط إيقاع إسرائيل؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة:
هل بدأت الولايات المتحدة تكتشف أن إسرائيل قد تجرّها إلى مواجهة لا تريدها؟
الإجابة الأدق: واشنطن لا "تكتشف”، بل "تضبط”.
هي تعلم أن نتنياهو يحتاج سياسيًا إلى صورة المواجهة الدائمة، وأنه يرى في أي تفاوض خطرًا استراتيجيًا لأنه يمنح إيران وقتًا. لكنها في المقابل تدرك أن حربًا شاملة مع إيران ستجلب ثلاث خسائر أميركية مؤكدة: استنزافًا عسكريًا وماليًا، اضطرابًا عالميًا في الطاقة، وانقسامًا داخليًا أميركيًا.
لذلك تدير واشنطن المعادلة مع إسرائيل وفق منطق واضح:
"لن نتركك وحدك… لكن لن نتبعك إلى الهاوية”.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
بعد زيارة نتنياهو، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول:
تفاهم أميركي–إيراني مرحلي، مع تشديد اقتصادي موازٍ.
في هذا السيناريو تحصل إسرائيل على تطمينات عامة، لكنها لن تنجح في إدخال الصواريخ والوكلاء نصيًا ضمن الاتفاق الأولي.
المسار الثاني:
تعطّل المفاوضات بسبب مطلب "تصفير التخصيب” أو رفض إيران توسيع جدول الأعمال. هنا قد نرى تصعيدًا مضبوطًا بالعقوبات والحشود العسكرية، مع محاولة أميركية لتجنب الحرب.
المسار الثالث:
تسوية إقليمية مرنة عبر وسطاء، تقوم على تجميد مؤقت للتخصيب وترتيبات تهدئة غير معلنة لملف الصواريخ والوكلاء. هذا السيناريو هو الأكثر قابلية للاستمرار لأنه يمنح الجميع شيئًا دون أن يُحرج أحدًا.
وفي كل الأحوال، سيبقى ملف الصواريخ الباليستية الورقة الأكثر حساسية:
إيران ستتمسك به كضمانة ردع،
واشنطن ستسعى لتقييده،
وإسرائيل ستعتبره معيار الحكم على أي اتفاق.
الخلاصة
تسريع زيارة نتنياهو يعني ببساطة أن إسرائيل تخشى أن تسبقها السياسة إلى خط النهاية.
إنها محاولة لفرملة مسار تفاوضي قد يتحول إلى سقفٍ سياسي يمنعها من الحركة مستقبلًا.
أما الولايات المتحدة، فستسعى لامتصاص القلق الإسرائيلي دون أن تُفجّر المفاوضات، مستفيدة من ضغط اقتصادي جديد ومن مناخ إقليمي يميل إلى التهدئة لا التصعيد.
إذا نجحت واشنطن في إدارة اللحظة، فقد تخرج بمعادلة "سلام عبر القوة”:
لا حرب شاملة، لكن ضغط دائم يفرض تنازلات تدريجية.
وإذا فشلت، فإن الصواريخ والوكلاء سيعودون ليكونوا لغة الرد،
وستتحول المنطقة إلى حافة اشتعال تُدار بالأيام لا بالسنوات.


* ملحق المصادر (يُحفظ منفصلًا عن المقال)
تقارير حول تقديم موعد لقاء نتنياهو–ترامب والمخاوف الإسرائيلية من اتفاق يركز على النووي.
بيانات حول الأمر التنفيذي الأميركي بفرض رسوم على الدول المتعاملة مع إيران.
تغطيات المفاوضات في عُمان وتصريحات الإدارة الأميركية بشأن "محادثات جيدة”.
معلومات عن مقترحات وساطة إقليمية لوقف تخصيب مؤقت وترتيبات غير مباشرة للصواريخ.
أخبار التعاون الدفاعي التركي–السعودي في مشروع المقاتلة KAAN.
تقارير عن التنسيق التركي–المصري وزيارات إقليمية مرتبطة بملف غزة.
تقارير حول استقالة قيادي بارز في حزب الله كمؤشر على تحولات داخلية.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير