السلاح الأخير!
ايهاب سلامة
جو 24 :
يؤرقني منذ أسابيع سؤال، يلحّ عليّ، يطرق بوابة رأسي بلا هوادة، لا يستريح ولا يتركني أستريح:
لماذا لا تعود للكتابة؟
ثَمّة ازدحامٌ خانقٌ للأفكار يعصف في ذهني، كأن عقلي ساحة معركة، والحروف جحافل جندٍ تتقاتل بضراوة، في انتظار مخاض ولادة النصّ العسير.
وأفكّر هنا، بصوتٍ عالٍ، - لِمَن كان له قلبٌ أَو أَلْقى السَّمعَ وهو شَهِيد - :
لمن نكتب؟ ولماذا؟
ثم ينسلّ السؤال الأشد وجعًا ووقعًا:
وما جدوى الكتابة؟
لعامين كاملين، وشلالات الدماء في غزة لم تنضب لحظة. لعامين كاملين من القهر، ونحن نحدّق بأعينٍ مشدوهة على أعتى المجازر في تاريخ البشرية، دون أن نحرّك ساكنًا، ودون أن نكسر قيد عجزنا وصمتنا وخيبتنا.
أنظمةٌ وحكّام، حكوماتٌ وشعوب، عربًا ومسلمين، جسّدنا العجز في أردأ أحواله وحالاته، وفشلنا في امتحان مع الله؛ كأن على رؤوسنا الطير، كأن الصمت صار عقيدة، والشلل فضيلة، والتخلّي "عنهم" انحيازٌ للذات!
تحوّلنا إلى أصنامٍ مذهولة، ترى ولا تفعل، تسمع ولا تنفعل، نحن والخواء سواء.
شاهدنا إبادة شعبٍ بأكمله لحظةً بلحظة، بالصوت والصورة، ببثٍّ مباشر، لا يترك للصمت متّسعًا ولا للعذر ملجأ.
ورغم كلّ ذلك، لم تتحرّك فينا نخوة، ولا ما يحزنون، ولم نقدّم موقفًا يُداري سوءة عجزنا وعارنا.
ثم ماذا؟
وقد غدونا نموذجًا يُدرَّس في البؤس والخذلان، ومثالًا حيًّا على موت الضمير الجمعي لأمّة تمتد حدودها من مطلع الشمس إلى مغربها.
ويعود السؤال اللعين ذاته، كمطرقةٍ تدقّ بوابة عقلي:
ما نفع الكتابة بعد كلّ هذا؟
ماذا يمكن للكلمة أن تؤثّر في شعوبٍ تجرّعت كأس البلادة، وتحوّلت إلى جثثٍ تتنفّس، وبلادٍ أضحت مقابر صمتٍ جماعي، يظنّ ساكنوها، بخيلائهم وعنترياتهم المكذوبة، أنهم ما زالوا على قيد الحياة.
تحاصرني الأسئلة من كلّ حدبٍ وصوب، تعصف بي، تؤنّبني تارة، وتارة توبّخني، فأساوم نفسي مرّةً بعد مرّة:
اكتب يا رجل.. ولو لذاتك.
اكتب، لا لتغيّر العالم، بل لتبرئ ذمّتك أمام الله.
اكتب، لعلّ قادمات الأيام تحمل في طيّاتها بشائر خير.
اكتب، لعلّ الله يُخرج من أصلاب هذه الشعوب الميتة من يعيد للدم معناه، وللأرض كرامتها، وللكلمة حدَّها الفاصل بين الحقّ والعار.
ثم أدرك فجأة..
وبقسوةٍ تليق بالحقيقة، أن السؤال كان أصلًا محض خداع!
فالكتابة لم تكن يومًا لتغيير هؤلاء!؟
ولا الكلمة خُلقت لتوقظ الموتى!؟
الكتابة، في زمن المجازر، ليست أملًا،
بل محاكمة.
محاكمة للتاريخ،
وشهادة اتهام،
ووثيقة إدانة تُكتب بالحبر اليوم،
لتُقرأ غدًا بالدم.
لهذا نكتب..
لا لأنهم يستحقون،
بل لأن الصمت خيانة،
ولأن آخر ما يُسلب من المقهور
هو أن يُمنع من الإدلاء بشهادته.
أن يُنتزع منه حقّ الغضب،
وحقّ الذاكرة،
وحقّ الاتهام.
أن يُروَّض حتى يرى الدم مشهدًا عاديًا،
والقتل خبرًا عابرًا.
أن يُدجَّن طويلًا على الصمت،
حتى يخرس وحده..
دون أن يُطلب منه أن يخرس.
لهذا نكتب..
لا لأن الكلمة قادرة على إيقاف المجازر،
بل لأنها "السلاح الأخير"
الذي لم ينجحوا بعد في مصادرته،
والشعلة الأخيرة التي لم يُطفئوها،
ومرصد الضمير الذي لا يستطيعون احتواءه.
نكتب..
كي لا نسقط في نظر ضمائرنا..
نكتب..
كي لا يحاكمنا التاريخ.
نكتب..
كي لا نُسأل أمام الله.
ونكتب..
كي لا يلعننا أحفادنا غدًا،
ويكتبوا هم على أضرحة قبورنا:
هؤلاء مرّوا من هنا،
رأوا كلّ شيء،
لكنهم صمتوا!








