رمضان كريم: لماذا يخافون هذا الشهر إلى هذا الحد؟
جو 24 :
كتب زياد فرحان المجالي -
لا يخاف الناس من رمضان لأنه شهر صيام. الخوف الحقيقي يبدأ حين يُختزل رمضان في المخيلة السياسية والأمنية إلى كلمة واحدة: خطر. وحين تُعامل طقوس مئات الملايين من البشر كحدث أمني يجب إدارته، لا كقيمة إنسانية يمكن فهمها. عندها يصبح رمضان مرآة تكشف أكثر مما تُخفي: تكشف عن أزمة هوية لدى من يخافون، وعن عجز ثقافي عن رؤية الآخر بوصفه إنسانًا لا تهديدًا.
في الكيان الصهيوني، وفي مدن غربية كثيرة، يتكرر المشهد كل عام. تُرفع درجات التأهب، تُضخ التحذيرات، ويُعاد إنتاج اللغة ذاتها: توتر موسمي، احتمال عنف، دعوات تحريض، نقاط تماس. وكأن الشهر نفسه هو المشكلة، لا السياق السياسي الذي صُنع حوله. هذا التحويل المقصود لرمضان إلى "حدث أمني” لا يصف الواقع فقط، بل يعيد إنتاجه. فاللغة حين تتصلب تتحول إلى سياسة، والسياسة حين تُبنى على الخوف تخلق واقعًا يتغذى على الخوف.
الخوف من رمضان، في جوهره، ليس خوفًا من الامتناع عن الطعام والشراب. إنه خوف من قدرة هذا الشهر على إنتاج مجتمع. رمضان يصنع فضاءً عامًا مختلفًا: عائلات تتجمع، أحياء تستيقظ على إيقاع واحد، تضامن اجتماعي يتكثف، إحساس جمعي بالانتماء. في عالم سياسي يقوم على تفكيك الجماعات وإضعاف الروابط، يتحول هذا النوع من التماسك إلى أمر مقلق لمن ينظر إلى الشعوب من زاوية السيطرة لا من زاوية الإنسان.
هنا تصبح المفارقة واضحة. رمضان في أصله تدريب على ضبط النفس، على كبح الغضب، على تهذيب السلوك، وعلى بناء علاقة أخلاقية مع الآخر. لكنه يُقدَّم في بعض الخطابات الغربية والإسرائيلية كأنه موسم تفلت. كيف يحدث هذا الانقلاب؟ يحدث حين تصبح صورة المسلم في المخيلة العامة محكومة بسردية واحدة: سردية الاشتباه. وعندها لا يعود الفعل الديني يُقرأ من داخله، بل يُقرأ بعين خارجية متوجسة تبحث عن الخطر قبل أن تبحث عن المعنى.
هذا الخوف ليس بريئًا. إنه جزء من آلية سياسية قديمة تقوم على تحويل طقوس الآخر إلى تهديد، ثم تبرير إجراءات استثنائية باسم الوقاية. في لحظة كهذه، لا يكون رمضان مناسبة دينية فقط، بل يصبح اختبارًا لعلاقة الدولة بمواطنيها، ولعلاقة المجتمع بالأقليات، ولعلاقة السياسة بالثقافة.
في "إسرائيل" تحديدًا، يتضاعف هذا المعنى لأن رمضان يرتبط بالمكان لا بالزمان فقط. المسجد الأقصى، القدس، الحرم، الحشود، الرمزية، التاريخ. هنا يلتقي الدين بالسيادة، وتلتقي العبادة بالسياسة. ومنذ سنوات، يجري التعامل مع رمضان وكأنه "موسم إدارة أزمة”، لا موسم عبادة. في هذا الإطار، يصبح كل سلوك فردي قابلاً للتضخيم، وكل شائعة قابلة للتحول إلى حدث، وكل احتكاك صغير قابلاً لأن يتحول إلى رواية كبرى.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا يتكرر الخوف حتى حين تمر بعض الأعوام بهدوء نسبي؟ لأن الخوف هنا ليس نتاج أحداث الشهر، بل نتاج عدم الثقة. حين تغيب الثقة بين مجتمعين، يصبح أي تجمع مصدر قلق، وأي طقس مصدر اشتباه. ومن هنا بالضبط تتغذى سياسة التهويل. فليس المطلوب فهم رمضان، بل استخدامه كأداة تعبئة عكسية: تعبئة الداخل ضد "خطر الآخر”.
المفارقة الثانية أن رمضان ليس شهرًا للتعبئة العدائية، بل شهر للكرم. الكرم ليس قيمة جانبية في هذا الشهر، بل جوهره. الإفطار الجماعي، الصدقة، زكاة الفطر، الاهتمام بالفقراء. إنه شهر يعيد توزيع المعنى الاجتماعي للمال والطعام والوقت. في عالم يُدار بمنطق الاستهلاك المحموم، يظهر رمضان كأنه تمرين جماعي على تباطؤ الحياة، وعلى إعادة اكتشاف الإنسان.
ولهذا السبب بالذات، يبدو رمضان مقلقًا لبعض المجتمعات الحديثة. لأنه يطرح سؤالًا أخلاقيًا محرِجًا: هل يستطيع الإنسان أن يحدّ من شهوته؟ هل يستطيع أن يقاوم السوق؟ هل يستطيع أن يعيد الاعتبار للفقراء؟ حين يصبح الشهر مناسبة جماعية لممارسة هذه الأسئلة، يصبح غير مريح لمن يعيشون في عالم يفضل أن يدفن الأسئلة الأخلاقية تحت ضجيج الاستهلاك.
لكن الخوف من رمضان لا ينتج فقط من جهل ثقافي. في بعض السياقات ينتج من مشاريع سياسية محددة، خاصة حين يُراد تحويل الصراع إلى صراع ديني. حين تتحول القدس إلى منصة للمزايدة، وحين تُستخدم الاقتحامات والاستفزازات لتفجير ردود فعل، يصبح رمضان حقل اختبار لهذه الاستفزازات. وعندها تُبنى سردية تقول إن "رمضان خطير”، بينما الخطر الحقيقي يأتي من العبث المتعمد بالرمزية.
الأخطر أن الخوف حين يصبح سياسة، يصبح مولدًا للعنف. لأن أي مجتمع يُقال له إن هذا الشهر موسم تهديد، سيتصرف مسبقًا بعصبية. والإجراءات الأمنية المبالغ فيها لا تمنع التوتر دائمًا، بل قد تصنعه. حين يشعر الناس أنهم مراقبون لأنهم يصومون، أو مشتبه بهم لأنهم يصلون، تتحول العبادة إلى احتكاك. وهذا الاحتكاك هو ما يُغذي دائرة الخوف من جديد.
الطريقة الوحيدة لكسر هذه الدائرة ليست بإجراءات أمنية إضافية، بل بإعادة تعريف الشهر في المخيلة العامة. رمضان ليس حدثًا أمنيًا. هو حدث ثقافي وأخلاقي واجتماعي. من يراه خطرًا يفوّت فرصة فهم الإنسان الآخر، ويفوّت فرصة رؤية ما يحتاجه عالم اليوم فعلًا: شهر يذكّرنا أن ضبط النفس ليس ضعفًا، وأن التضامن ليس شعارًا، وأن الكرم ليس ترفًا.
في عالم تتسع فيه الفجوات الاقتصادية، ويضعف فيه معنى المجتمع، يظهر رمضان كدرس سنوي في إعادة بناء الروابط. حين تجلس عائلة فقيرة وغنية على مائدة واحدة، حين يرسل الناس الطعام لمن لا يعرفونهم، حين تتحول الأحياء إلى مساحات لقاء بدل أن تكون مساحات عزلة، فإن الشهر ينجح في إنتاج ما فشلت فيه سياسات كثيرة: إنتاج مجتمع حي.
الخوف من رمضان، في نهاية المطاف، ليس خوفًا من الشهر، بل خوف من معنى الشهر. خوف من أن يثبت أن الإنسان قادر على أن يختار غير ما تفرضه عليه السوق والسياسة. خوف من أن يثبت أن الجماعات تستطيع أن تتماسك دون أن تتحول إلى كراهية. خوف من أن يثبت أن الدين، حين يُمارس بعمقه الأخلاقي، يمكن أن يكون جسرًا لا سكينًا.
إذا كان العالم يريد أن يفهم لماذا يتكرر القلق كل عام، فعليه أن يتوقف عن النظر إلى رمضان من نافذة الخوف. عليه أن ينظر إليه كاختبار للإنسانية. لأن الشهر الذي يعلّم الناس الامتناع عن الأذى، وإطعام المحتاج، ومصالحة الذات، لا ينبغي أن يُخشى. الذي ينبغي أن يُخشى حقًا هو تحويل هذا الشهر إلى ساحة للتعبئة والكراهية.
رمضان ليس خطرًا. الخطر هو أن يصبح الخوف من رمضان سياسة دائمة، لأنها حين تصبح دائمة، فإنها تقتل إمكانية التعايش، وتحوّل كل طقس إنساني إلى ذريعة اشتباه. وفي عالم متعب من الحروب والضجيج، ربما يكون أكثر ما نحتاجه هو أن نفهم قيمة شهر يعلّم الناس كيف يهدؤون، وكيف يتشاركون، وكيف يصيرون أكثر رحمة.








