عندما يبدأ الجيش بالهروب من نفسه! قراءة في تحذيرات الجنرال الإسرائيلي إسحاق بريك
جو 24 :
خارج النص- كتب حلمي الأسمر -
بعيدا عن غبار المعارك. هناك داخل الجيش الصهيوني حالة من التآكل غير المسبوق؛ هنا قراءة لأخطر ما يحدث لجيش قيل أنه واحد من أقوى جيوش العالم برؤية جنرال متقاعد عرف عنه أنه يمتلك رؤية واقعية لما يحدث داخل الكيان ودون تحفظ ما أكسبه مصداقية عالية لكل ما يكتب.
في تاريخ الجيوش، هناك لحظة دقيقة لا تُقاس بعدد الدبابات ولا بحجم الترسانة الصاروخية، بل بمؤشر أكثر خطورة: رغبة الضباط والجنود في البقاء داخل المؤسسة العسكرية أو مغادرتها.
وعندما تبدأ النخبة العسكرية نفسها بالانسحاب من الجيش، فإن ذلك قد يكون أول علامات التفكك البنيوي.
هذا تحديدًا ما يحذر منه الجنرال الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك في مقال نشرته صحيفة إسرائيلية واسعة الانتشار، حيث يرسم صورة قاتمة لما يصفه بأنه أخطر أزمة قوة بشرية في تاريخ الجيش الإسرائيلي.
أزمة ليست في السلاح.. بل في الإنسان
يقول بريك إن آلاف الضباط وضباط الصف في الجيش الإسرائيلي يطلبون التسريح من الخدمة، بينما يرفض كثير من الشباب توقيع عقود الخدمة الدائمة.
هذه ليست مشكلة إدارية عابرة، بل ظاهرة تحمل دلالات أعمق بكثير.
فالجيش الإسرائيلي بُني منذ تأسيسه على معادلة محددة:
جيش صغير عالي الكفاءة يعتمد على نخبة بشرية مدربة وعلى تعبئة واسعة لقوات الاحتياط عند الحرب.
لكن بريك يكشف أن هذه المعادلة نفسها بدأت تتآكل.
فالكفاءات العسكرية تغادر المؤسسة، والبيئة التنظيمية داخل الجيش ـ كما يقول ـ أصبحت طاردة للضباط المتميزين الذين يفضلون العمل في القطاع المدني حيث الرواتب أفضل والتقدير المهني أعلى.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة يصفها بريك بما يسمى الاختيار السلبي:
حين يغادر الأفضل، ويبقى الأقل كفاءة.
وهذه واحدة من أخطر الظواهر التي يمكن أن تصيب أي جيش في العالم.
جيش لا يعرف حجم نفسه
أحد أكثر ما ورد في المقال إثارة للدهشة هو ما يكشفه بريك عن فوضى المعلومات داخل جهاز إدارة الموارد البشرية في الجيش.
فبحسب وصفه، لا يمتلك الجيش نظامًا قادرًا على تقديم صورة دقيقة في الوقت الحقيقي عن عدد أفراده، أماكن انتشارهم، أو المهارات المهنية التي يمتلكونها.
بل إن المعلومات الخاصة بالجنود النظاميين محفوظة في أنظمة مختلفة عن تلك الخاصة بقوات الاحتياط، دون تكامل حقيقي بينها.
بمعنى آخر: قد يجد الجيش نفسه في لحظة الحرب غير قادر حتى على معرفة من يملك المهارات التي يحتاجها.
وهذه ليست مجرد مشكلة تقنية، بل خلل استراتيجي في إدارة القوة البشرية.
العمود الفقري المهدد: قوات الاحتياط
العقيدة العسكرية الإسرائيلية تقوم على مبدأ واضح:
جيش نظامي صغير يتمدد بسرعة عبر تعبئة واسعة لقوات الاحتياط.
لكن بريك يشير إلى خلل عميق في إدارة هذا النظام.
فالمبادرات التي أطلقها جنود الاحتياط أنفسهم لتنظيم التجنيد خلال الحرب لم تلق دعمًا من القيادة العسكرية، بل واجهت ـ بحسب المقال ـ نوعًا من العرقلة البيروقراطية.
بل إن المتطوعين الذين يرغبون في العودة للخدمة يصطدمون بإجراءات معقدة تجعل بعضهم يغادر محبطًا.
وهكذا يتحول المورد الاستراتيجي الأهم في الجيش الإسرائيلي إلى عبء إداري.
جيش يقاتل دون تدريب كاف
الأخطر في تحذيرات بريك يتعلق بالجاهزية العملياتية.
فهو يتحدث عن حالات تذهب فيها وحدات عسكرية إلى المهام القتالية دون ضباط استخبارات مؤهلين، أو مع نقص في المسعفين العسكريين.
وهذه ليست مجرد ثغرات إدارية، بل اختلالات يمكن أن تعرض حياة الجنود للخطر المباشر.
فالجيش الذي يرسل قواته إلى القتال دون منظومة دعم كاملة لا يعاني فقط من نقص الموارد، بل من خلل في بنية القيادة والتنظيم.
الحرب الطويلة واستنزاف المجتمع
لا يمكن قراءة هذه التحذيرات بعيدًا عن السياق الأوسع للحروب الطويلة التي تخوضها إسرائيل في السنوات الأخيرة.
فالحروب الممتدة لا تستنزف الجيوش فحسب، بل تستنزف المجتمعات التي تقف خلفها.
ومع مرور الوقت، يتسلل سؤال خطير إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها:
هل ما زالت هذه الحروب تستحق كل هذا الثمن؟
عندما يبدأ هذا السؤال بالظهور بين الضباط والجنود، فإن الأزمة تتحول من مشكلة عسكرية إلى أزمة معنوية عميقة.
بداية التفكك البطيء
الجيوش نادرًا ما تنهار فجأة.
غالبًا ما يسبق الانهيار مسار طويل من التآكل البطيء:
خروج الكفاءات، تراجع الثقة بالقيادة، تضخم البيروقراطية، وتراجع الجاهزية.
وإذا كانت تحذيرات بريك تعكس الواقع بدقة، فإن الجيش الإسرائيلي قد يكون بدأ يدخل هذا المسار.
ليس لأن خصومه أصبحوا أقوى بالضرورة،
بل لأن المؤسسة العسكرية نفسها بدأت تواجه سؤالًا داخليًا وجوديًا:
هل ما زالت قادرة على العمل بالكفاءة التي بنت عليها أسطورتها؟
وعندما يصل أي جيش إلى هذه النقطة، فإن أخطر معاركه لا تكون على الجبهة…
بل داخل نفسه.








