إبستين.. جامعُ المفاتيح
حلمي الأسمر
جو 24 :
لم يكن اسمه مرشحًا لدخول كتب التاريخ السياسي، لكنه دخلها من بابٍ لا تُسلَّط عليه الأضواء.
جيفري إبستين ( أو ابليستين كما يسميه المحلل السياسي والناشط المصري الدكتور خليل العناني) لم يكن رئيسًا، ولم يُنتخب يومًا، ولم يخطب في أمة. ومع ذلك، كان حاضرًا حيث تُصاغ القرارات، وحيث تُهمَس التفاهمات خلف الأبواب الثقيلة.
لم يكن في الصورة لأنه صاحب منصب، بل لأنه يعرف أصحاب المناصب… ويعرف ما يمكن أن تُخفيه الصور.
كيف لرجلٍ بلا صفة سيادية أن يعبر طبقات النفوذ بهذه السهولة؟
كيف يجالس رئيسًا سابقًا مثل بيل كلينتون، ويظهر في دوائر قريبة من دونالد ترامب، ويرتبط اسمه بشخصية ملكية مثل الأمير أندرو، من دون أن يتوقف العالم طويلًا عند السؤال: من فتح له الباب؟
لم يكن حاكمًا.
لكنه كان يعرف الحاكم.
وفي السياسة، المعرفة ليست تفصيلًا بريئًا؛ إنها نفوذ صامت.
من يعرف السرّ يمتلك قدرة التأثير، حتى لو لم يصدر أمرًا.
ومن يستطيع الإحراج، يستطيع أن يُعيد ترتيب الأولويات دون أن يجلس على الكرسي.
جزيرته لم تكن مجرد أرضٍ معزولة في البحر، بل كانت استعارةً لعصرٍ كامل:
نخبةٌ تعيش فوق العالم، تتحدث عن القيم نهارًا، وتُطفئ الكاميرات ليلًا.
عالمٌ يرفع راية الشفافية، لكنه يدير مصالحه في مساحاتٍ لا يصلها الضوء.
لم يخترع إبستين هشاشة النخبة، لكنه فهمها.
لم يصنع التناقض الأخلاقي، لكنه استثمر فيه.
لم يكن مهندس النظام، بل قارئًا بارعًا لثغراته.
حين سقط في زنزانته عام 2019، لم يسقط وحده.
سقط معه شيء من الثقة.
موته لم يُغلق الملف، بل فتح جرحًا في جسد الشرعية.
سواء كان إهمالًا أو انتحارًا أو غير ذلك، فإن الأثر كان واحدًا:
تصدع صورة منظومةٍ طالما قدّمت نفسها باعتبارها الأكثر انضباطًا وشفافية.
لسنا أمام قصة "حكومة خفية” تدير الكوكب من غرفة مظلمة.
"الأسطورة" مريحة لأنها تمنحنا عقلًا واحدًا نحمّله الذنب.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا:
شبكات مصالح، حماية متبادلة، صمت حين يخدم الصمت، وضجيج حين يخدم الضجيج.
ليست غرفة واحدة تُدار منها الأرض،
بل طبقة متشابكة من المال والعلاقات والنفوذ،
تتشابه في مدارسها ونواديها ومصالحها،
وتحرس نفسها ما استطاعت.
اليهود والصهاينة تحديدا لم يكونوا غائبين عن هذا المشهد بل هم في بؤرته!
إبستين لم يكن إمبراطورًا.
كان اختبارًا للإمبراطوريات.
لم يكن دولة عميقة وممثلا شرعيا لها فقط؛ بل كان مرآةً تعكس مدى هشاشة "حضارة" كاذبة تخفي تحت قناتها شيطانا متوحشا.
جمع مفاتيح أبواب كثيرة، وربما لم يفتحها جميعًا،
لكن مجرد امتلاكه لها كان كافيًا ليُقلق العالم.
القضية ليست رجلًا مات،
بل ثقةً تموت ببطء.
ليست فضيحةً عابرة،
بل شرعيةً تتآكل حين يُدرك الناس أن الوصول قد يكون أقوى من المنصب.
هكذا يُقرأ إبستين:
لا كأسطورةٍ تحكم العالم،
ولا كشيطانٍ فردي،
بل كعلامةٍ على زمنٍ صار فيه السرّ سلطة،
وصار فيه جامع المفاتيح أقرب إلى مركز القوة من صاحب العرش نفسه.
في النهاية .. جمع المفاتيح أمر خطير .. لكن الاكثر خطرا ..
لمن كان ابليستين يسلم هذه المفاتيح!!








