jo24_banner
jo24_banner

بين الترجمة والعدالة الإدارية… عندما يتحول إجراء دولي إلى إشكالية محلية

زياد فرحان المجالي
جو 24 :

 
ليست كل المشكلات الإدارية ناتجة عن مخالفة، ولا كل الإشكاليات وليدة سوء نية. أحيانًا تنشأ الأزمة من فرق في المصطلحات بين نظامين قانونيين مختلفين، وحين لا يُفكّك هذا الفرق بدقة، يدفع المواطن الثمن.

القضية التي أطرحها اليوم ليست شخصية بقدر ما هي نموذج يتكرر، وتتعلق بمركبة جديدة موديل 2025 قمت باستيرادها من الولايات المتحدة الأمريكية، اشتريتها شراءً نقديًا مباشرًا بعد إنهاء أي التزامات سابقة عليها.

الإشكالية لم تكن في الشراء، ولا في الرسوم، ولا في الإجراءات. بل في توصيف سابق في سجل المركبة الأمريكي يشير إلى أنها كانت خاضعة لنظام "Financial Lease”، أي التأجير التمويلي.

في الأنظمة الأمريكية، التأجير التمويلي هو صيغة تمويل لشراء المركبة، ينتقل بموجبها حق التملك بعد سداد الأقساط. هو ليس نشاطًا تجاريًا، ولا يعني أن المركبة كانت تعمل ضمن قطاع تأجير السيارات.

لكن عند ترجمة كلمة "Lease”، فُسّر المصطلح على أنه "تأجير” بالمعنى التجاري، أي مركبة "رنت كار”، وهو توصيف مختلف تمامًا من حيث الطبيعة القانونية.

هنا نشأ اللبس.

المركبة لم تكن ضمن أسطول تأجير، ولم تعمل في نشاط سياحي، ولم تُستخدم تجاريًا، بل كانت مركبة شخصية خاضعة لآلية تمويل شائعة في السوق الأمريكي.

الفارق بين "التأجير التمويلي” و"التأجير التجاري” ليس تفصيلًا لغويًا، بل فرق جوهري في المفهوم القانوني. الأول أداة تمويل، والثاني نشاط اقتصادي.

السؤال هنا ليس عن مركبة بعينها، بل عن المعيار الإداري المعتمد:

هل نُعامل المصطلحات الدولية بترجمتها الحرفية، أم نفهم سياقها القانوني في بلد المنشأ؟

نحن نعيش في اقتصاد مفتوح، والإجراءات الجمركية والتسجيلية باتت تتعامل يوميًا مع وثائق قادمة من أنظمة مختلفة. وهذا يتطلب أحيانًا قراءة فنية للمصطلحات، لا الاكتفاء بمدلولها الظاهري.

ما أطرحه ليس طلب استثناء، بل طلب تصويب توصيف.

فالقرار الإداري حين يُبنى على فهم غير مكتمل للمصطلح، قد يُنتج أثرًا لا يعكس الواقع الفعلي.

القضية قابلة للحل بسهولة متى ما تم التفريق بين الاستخدام الفعلي للمركبة، وبين آلية تملكها السابقة.
وفي تقديري، يمكن معالجة مثل هذه الحالات عبر اعتماد معيار واضح يفرّق بين:

المركبات المسجلة ضمن نشاط تأجير تجاري فعلي.

والمركبات التي كانت خاضعة لصيغة تمويلية فقط.

هذا الإجراء ليس تعديلًا في القانون، بل تفسيرًا أدق له بما يتوافق مع طبيعة المعاملات الدولية.

حين تتسع التجارة، تتسع الحاجة إلى دقة المصطلح.

وحين يختلط المفهوم، يصبح التصويب ضرورة لا خيارًا.

أنا على ثقة بأن مؤسساتنا قادرة على معالجة هذا النوع من الإشكاليات بروح العدالة والمرونة القانونية، لأن الهدف في النهاية ليس التشدد، بل التطبيق الصحيح للنصوص وفق واقعها.

القضية بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا مهمًا حول كيفية تعاملنا مع الوثائق الأجنبية، وكيف يمكن تطوير آليات الفهم الإداري بما يمنع تكرار اللبس مستقبلاً.

المطلوب اليوم ليس جدلًا، بل توضيحًا.

وليس تصعيدًا، بل تصويبًا.

لأن العدالة الإدارية تبدأ من فهم دقيق للكلمة، قبل أن تتحول إلى قرار.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير