مجلس السلام بين شرعية الحق وشرعية القوة غزة كاختبار: هل تُصنع التسوية بالقانون… أم تُدار بالإغاثة؟
زياد فرحان المجالي
جو 24 :
في السياسة الدولية لا تكفي الأسماء لتفسير ما يجري، لأن الاسم قد يكون ستارًا، وقد يكون إعلان نوايا، وقد يكون أداة تسويق لفكرة أكبر من مضمونها. وحين يطلّ علينا "مجلس السلام” في لحظة تفيض فيها غزة بالخراب والوجع، لا يعود السؤال: ما اسم المجلس؟ بل: ما بنيته؟ من يمتلك مفاتيحه؟ من يكتب قواعده؟ من يقرر عضويته؟ ومن يحدد متى يبدأ "السلام” ومتى ينتهي؟ وأهم من ذلك: أي سلام هذا الذي يُبنى على هندسة أمنية، بينما تُترك جذور الصراع بلا معالجة؟
قراءة الميثاق المعلن للمجلس – كما يُقدَّم في النقاشات السياسية – تقود إلى ملاحظة لا يمكن تجاهلها: الحضور الطاغي ليس لمفهوم "الولايات المتحدة” كدولة مؤسسات، بل لاسم دونالد ترامب نفسه، بوصفه المرجع النهائي، وصاحب السلطة في اختيار البنية، وتعيين التنفيذيين، وتعديل الصلاحيات، وربما إنهاء المجلس حين يرى أن الوقت حان. هنا لا نتحدث عن نفوذ أميركي تقليدي فحسب، بل عن انتقال من "هيمنة الدولة” إلى "شخصنة الهيمنة”. وهذه الشخصنة تضعف أي ادعاء بالديمومة: فالمؤسسات تبقى لأنها تُدار بقواعد تتجاوز الأشخاص، أما المبادرات التي تُربط باسم واحد فتُصبح أقرب إلى مشروع مرحلة، لا إلى إطار دولي طويل العمر.
ومنذ تأسيس الأمم المتحدة، قام النظام الدولي – نظريًا على الأقل – على المأسسة: الدولة تبقى والقيادات تتغير. مجلس الأمن، رغم كل عيوبه، لا يرتبط برئيس بعينه، بل بإطار قانوني ثابت. لذلك عندما يقول مندوب الولايات المتحدة إن "مجلس الأمن للكلام ومجلس السلام للأفعال”، تبدو العبارة جذابة، لكنها تتجاهل المفارقة الأساسية: الذي جعل مجلس الأمن يبدو أحيانًا ساحة للخطابات هو استخدام الفيتو، وخصوصًا الفيتو الأميركي في الملفات الحساسة المتعلقة بإسرائيل. إن "الكلام” هنا لم يكن عجزًا في فكرة الأمم المتحدة، بل كان نتاج آلية تسمح لقوة واحدة بتجميد قرار حين يمس مصالحها أو مصالح حليفها. ولهذا لا يبدو غريبًا أن تتصاعد مطالب دول كثيرة بإعادة ترتيب مجلس الأمن وإصلاح الأمم المتحدة لتصبح أكثر فاعلية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول نقد الأمم المتحدة إلى ذريعة لتجاوزها، لا لإصلاحها. وهنا نصل إلى مقارنة لا بد منها بين مفهومين: "شرعية الحق” و”شرعية القوة”. شرعية الحق هي ما تمثله الأمم المتحدة من قرارات وقواعد قانون دولي، حتى لو تعطلت أدوات تنفيذها. إنها شرعية تعترف – في الحد الأدنى – بأن الاستيطان غير شرعي وفق قرارات واضحة، وأن الاحتلال ليس وضعًا دائمًا مشروعًا، وأن الحقوق ليست منحة من الأقوياء. أما شرعية القوة فهي شرعية تُبنى من واقع التحكم: من يملك المال؟ من يملك السلاح؟ من يملك القدرة على فرض الإيقاع؟ هذه الشرعية لا تلغي القانون بالضرورة، لكنها تضعه في المرتبة الثانية، وتتعامل معه كمشهدية سياسية قابلة للتأجيل، لا كقاعدة مُلزمة.
في قلب هذه المقارنة تأتي غزة. الأمم المتحدة – بكل مؤسساتها – تمثل، نظريًا، منصة "حق”: قرارات، مبادئ، لغة قانونية، منطق الشرعية الدولية. لكن غزة خلال الحرب الطويلة أظهرت فجوة مؤلمة بين النصوص والواقع. القرارات تُقال، والحق يُذكر، لكن التنفيذ يتعثر أمام مصالح القوى الكبرى. وفي هذه اللحظة تحديدًا يظهر "مجلس السلام” كإطار بديل يرفع شعار "الأفعال”. لكن أي أفعال؟ وهل هي أفعال سلام أم أفعال إدارة؟ وهل هي أفعال تُوازن بين الأطراف أم تُعيد تشكيل الوضع بما يخدم طرفًا بعينه؟
حين نضع تمثيل الأطراف تحت الضوء، تظهر إشكالية الوصاية. وجود بنيامين نتنياهو داخل المجلس – مقابل غياب تمثيل فلسطيني رسمي واضح ومتكافئ – ليس تفصيلًا. إنه يرسل إشارة إلى طبيعة الرؤية: أمن إسرائيل أولًا، وترتيبات غزة لاحقًا، والحقوق تُؤجل إلى مرحلة أخرى لا يأتي موعدها. وهذا يفتح سؤالًا حادًا: كيف يمكن لإطار يدّعي بناء "السلام” في غزة أن يتقدم من دون شراكة سياسية فلسطينية حقيقية؟ إن سلامًا يُصاغ من زاوية أمنية فقط، غالبًا ما يكون سلامًا مؤقتًا، لأن الأمن لا يستقر على أرض تحترق بالظلم.
الفلسطيني في هذا المشهد لا يقف على طرف واحد. هو يريد أن تبقى الأمم المتحدة مرجعيته القانونية، ويصرّ على ألا يصبح مجلس السلام بديلاً عنها، لأن الشرعية الدولية هي السقف الوحيد الذي يمكن أن يحمي الحقوق من مقص القوة. لكنه في الوقت ذاته يعيش كارثة إنسانية لا تسمح له برفاهية رفض أي نافذة تخفف الألم اليومي. هذه ليست ازدواجية، بل براغماتية تفرضها المأساة: الدفاع عن "شرعية الحق” وفي الوقت نفسه التمسك بأي فرصة تمنع التهجير، وتفتح باب الإغاثة، وتمنح الناس بعضًا من الحياة.
لكن إدخال الإغاثة ليس فعلًا بريئًا دائمًا في الحروب الحديثة. الإغاثة أصبحت – في كثير من النزاعات – أداة سياسية ضمن موازين الضغط، ليس لأنها شريرة بذاتها، بل لأن من يتحكم بالممرات والمعابر والتمويل يملك قدرة على توجيه الإيقاع. قد تتحول المساعدات إلى وسيلة لإدارة الغضب الدولي، أو لإنتاج صورة "إنسانية” تغطي على استمرار المعركة، أو لإجبار طرف على قبول ترتيبات معينة مقابل تدفق الغذاء والدواء. هذا لا يحتاج إلى اتهامات ولا إلى مبالغة، يكفي أن نلاحظ كيف تصبح اللغة الإنسانية جزءًا من التفاوض السياسي: "المساعدات مقابل الهدنة”، "الإعمار مقابل الترتيبات”، "التمويل مقابل آليات الرقابة”.
ولهذا فإن الحديث عن خمسة مليارات لإعادة إعمار غزة – مهما كان واعدًا – لا يصبح ذا معنى دون ثلاثة أسئلة واضحة: من يدفع؟ من ينفذ؟ ومن يضمن؟ فالإعمار ليس مجرد أموال، بل هو سيادة على القرار: أي مناطق ستُبنى أولًا؟ من سيتولى العقود؟ ما شروط الصرف؟ وهل الإعمار جزء من حل سياسي أم جزء من إدارة أزمة طويلة؟ في تجارب كثيرة، انتهى الأمر بأن استفادت شركات كبرى – محلية أو دولية – من مشاريع الإعمار أكثر من استفادة السكان أنفسهم، لأن الإعمار أصبح سوقًا، لا عملية إنقاذ مجتمعي.
هنا يعود الخيط إلى "شرعية القوة”. إذا كان مجلس السلام قائمًا على قدرة أميركية على جمع التمويل وتحديد العضوية وإدارة التنفيذ، فهو يعكس منطقًا يقول للعالم: لم تعد الأمم المتحدة وحدها مركز التفاوض؛ الأوراق هنا. لكنه في الوقت نفسه يطرح مخاوف مشروعة: هل تصبح غزة ملفًا يُدار بطريقة تشبه "إدارة شركة” أكثر من كونها قضية شعب وحق؟ وهل يتحول الإغاثي إلى بديل عن السياسي، فتُدفع الكارثة إلى مرحلة "التحسين” دون إزالة سببها؟
الجانب الأخطر في هذا التحول أن السلام قد يُعرّف باعتباره "خفض التوتر” لا "تحقيق العدالة”. وهذا تعريف شائع في إدارة النزاعات: ما دام الصراع صامتًا فهو سلام. لكن الفلسطيني يعلم أن الصمت قد يكون استراحة بين موجتين، لا نهاية حقيقية. ولهذا فإن قلقه من مجلس السلام لا يأتي من رفضه للإغاثة، بل من خوفه أن تصبح الإغاثة قيدًا سياسيًا جديدًا: تُمنح حين يلتزم الطرف الضعيف، وتُحجب حين يطالب بحقوقه، بينما الطرف الأقوى يحتفظ بهامش الحركة.
ثم تأتي مسألة الديمومة مجددًا. إذا كان المجلس مرتبطًا باسم ترامب وصلاحياته، فماذا بعد انتهاء ولايته؟ بعد ثلاث سنوات، أو مع تغير الإدارة، قد تتغير الأولويات، وقد يختفي المجلس أو يُعاد تدويره باسم آخر. أما الأمم المتحدة – رغم هشاشتها في التنفيذ – فهي كيان دولي لا يموت بتغير رئيس. لذلك يبدو الفلسطيني وكأنه يوازن بين "مؤسسة لا تُنفذ كما يجب” و”مبادرة قد تنفذ لكنها غير مضمونة الاستمرارية”. وهذا ميزان قاسٍ، لكنه واقعي.
والصورة على الأرض حتى الآن لا توحي بتحول كبير يمكن نسبه لأي إطار جديد. لم يبدأ إعمار واسع، ولم تتحسن الظروف الإنسانية بالقدر الذي يليق بحجم الكارثة، وما زالت لغة الاتهامات المتبادلة تطغى على لغة الضمانات. وإلى جانب ذلك، تبدو واشنطن في ملفات إقليمية أخرى – كالتوتر مع إيران – وكأنها توسّع دائرة الاشتباك بدل ضبطها. وإذا كان الهدف الحقيقي هو تثبيت استقرار طويل، فإن فتح جبهات موازية يربك أي مسار يفترض أنه "سلام”.
الاستنتاج الواقعي لا يقول إن مجلس السلام شرّ مطلق أو خير مطلق، بل يقول إن بنيته تجعل منه منصة نفوذ أكثر من كونه منظومة سلام مؤسسية. قد ينتج عنه بعض الأثر الإنساني إذا التزم بضخ مساعدات عاجلة وفرض آليات تمنع التهجير وتثبّت وقف النار، وقد يُحسب له ذلك إن حدث. لكن نجاحه الحقيقي لن يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بمستوى البروتوكول، بل بأثر ملموس في حياة الناس: بيوت تُبنى، مستشفيات تعمل، ماء وكهرباء، وإغاثة لا تتحول إلى أداة ضغط.
وفي النهاية، يبقى سؤال غزة أكبر من أي مجلس: هل تريد الولايات المتحدة سلامًا بمعناه السياسي، أم تريد إدارة صراع بأقل كلفة وبأكبر قدر من التحكم؟ إذا كان السلام رؤية أميركية–إسرائيلية تُعرَّف بالأمن وحده، فلن تصمد طويلًا. وإذا كان السلام مسارًا يعترف بالحقوق ويضع حدًا للاحتلال ويكبح التوسع ويمنع التهجير، فذلك يحتاج إلى ما هو أكثر من مجلس جديد: يحتاج إلى قرار دولي صلب، وإلى توازن ضغط لا يسمح لطرف أن يكتب المستقبل وحده.
الزمن سيحكم على مجلس السلام، لكن غزة لا تملك رفاهية الزمن. هي تحتاج الآن ما هو أبسط من الشعارات وأكثر صعوبة من البيانات: أن يتحول العالم من إدارة الألم إلى إنهائه، ومن تلطيف الكارثة إلى منع تكرارها. وبين "شرعية الحق” التي تمثلها الأمم المتحدة و”شرعية القوة” التي تمثلها الأطر الموازية، سيظل الفلسطيني يبحث عن مساحة حياة… لا عن اسم جديد لسلامٍ لا يصل.








