jo24_banner
jo24_banner

الصواريخ أولًا.. لماذا يخشى الجميع البند الذي لا يُفاوض عليه؟

زياد فرحان المجالي
جو 24 :


في كل مرة تُفتح فيها نافذة تفاوض بين واشنطن وطهران، يتجه الضوء تلقائيًا نحو أجهزة الطرد المركزي، ونِسب التخصيب، ومخزون اليورانيوم المخصب. تتكدس التقارير الفنية، وتتصدّر عبارة "البرنامج النووي” العناوين. لكن خلف هذا المشهد التقني، يقف ملف آخر، أكثر صمتًا وأشد حضورًا: الصواريخ.

البرنامج الصاروخي الإيراني لم يكن يومًا تفصيلًا ثانويًا في معادلة القوة، بل كان – ولا يزال – العمود الفقري لعقيدة الردع الإيرانية. وإذا كان النووي يمثل القدرة المحتملة، فإن الصواريخ تمثل القدرة الفعلية. لهذا، في كل جولة تفاوض، يُطرح السؤال الحقيقي بصوت منخفض: لماذا لا يُفتح هذا الملف رسميًا على الطاولة؟

الإجابة تبدأ من تعريف التهديد. بالنسبة للولايات المتحدة، الخطر الأكبر يتمثل في امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، لأنه يغيّر ميزان الردع جذريًا، ويفتح باب سباق تسلح إقليمي. أما الصواريخ، فرغم خطورتها، فهي تُدرج ضمن خانة "الاحتواء” عبر منظومات الدفاع الإسرائيلية، والانتشار العسكري الأميركي في الخليج. من هنا جاء التركيز الأميركي على النووي أولًا، باعتباره الملف الأكثر حساسية دوليًا.

لكن القراءة الإسرائيلية تختلف جذريًا. في تقديرات الأمن القومي الإسرائيلي، الخطر لا يكمن فقط في قنبلة محتملة، بل في مئات الصواريخ القادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، بعضها بدقة متزايدة. هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ما جدوى تجميد التخصيب إذا بقيت البنية الصاروخية تتطور، وبقيت شبكات الإمداد قائمة؟

إيران من جهتها لا تخفي موقفها. المسؤولون الإيرانيون يكررون بوضوح أن البرنامج الصاروخي غير قابل للتفاوض. ليس لأنه أداة هجومية بحتة، بل لأنه – من منظورهم – التعويض الاستراتيجي عن فجوة سلاح الجو التقليدي، وعن التفوق الجوي الإسرائيلي–الأميركي. الصواريخ بالنسبة لطهران ليست خيارًا إضافيًا، بل هي "تأمين الردع” الذي يمنع الضربة الاستباقية.

وهنا تتقاطع المصالح وتتصادم المخاوف.
إذا افترضنا سيناريو اتفاق مرحلي جديد، يقوم على تجميد أو خفض مستوى التخصيب مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، فإن السؤال يصبح: ماذا عن الصواريخ؟ هل تُترك خارج النص؟ أم تُدار ضمن تفاهمات غير مكتوبة؟
التاريخ القريب يشير إلى أن استبعاد الصواريخ ليس سهوًا، بل مقاربة سياسية. إدخال هذا الملف رسميًا إلى التفاوض يعني رفع سقف المطالب، وتعقيد مسار قد يكون هشًا بطبيعته. لذلك قد تفضّل واشنطن إبقاءه خارج النص، والتركيز على منع الانتشار النووي كأولوية قصوى. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن الصواريخ ستظل في قلب الحسابات الأمنية.
القلق الإسرائيلي تحديدًا لا يتعلق بعدد الصواريخ فقط، بل بدقتها. فالصواريخ التقليدية ذات الدقة المحدودة تمثل تهديدًا واسع النطاق، لكنها تختلف عن صواريخ موجهة بدقة قادرة على إصابة منشآت حيوية محددة. في هذا السياق، ترى تل أبيب أن أي اتفاق لا يعالج مسألة الدقة والتطوير المستقبلي، يترك الباب مفتوحًا أمام تهديد طويل الأمد.
من زاوية إيرانية، الصورة مختلفة. طهران تنظر إلى بيئة إقليمية محاطة بالقواعد الأميركية، وبقوة جوية إسرائيلية متقدمة، وبأنظمة دفاع صاروخي متعددة الطبقات. في هذه البيئة، ترى أن التخلي عن عنصر الصواريخ يعني التخلي عن عنصر الردع المتوازن. ومن دون هذا الردع، يصبح التفاوض في حد ذاته أقل قيمة.

لكن هل يمكن أن يكون هناك "بند غير مكتوب”؟
في الشرق الأوسط، كثيرًا ما تُدار التفاهمات خارج النصوص الرسمية. قد لا يُدرج ملف الصواريخ في الاتفاق، لكن قد يُدار سقف استخدامها وتطويرها ضمن توازن ردع ضمني. بمعنى آخر، لا وقف رسمي للتطوير، لكن لا تصعيد علني يتجاوز خطوطًا حمراء غير معلنة. هذه الصيغة لا تُنهي الخلاف، لكنها تؤجله.
إلا أن المشكلة في هذا النوع من الترتيبات تكمن في هشاشته. الصواريخ بطبيعتها أدوات سريعة، لا تحتاج إلى مسار طويل من التحضير السياسي لإطلاقها. خطأ في الحساب، أو سوء تقدير، قد يحوّل التفاهم الضمني إلى اشتباك مفتوح خلال دقائق. وهنا يكمن الفرق بين ملف نووي يخضع لرقابة معقدة، وملف صاروخي يتفاعل مع لحظة ميدانية.
ثم تأتي شبكة الحلفاء الإقليميين لتضيف طبقة أخرى من التعقيد. فحتى لو افترضنا أن إيران تضبط سقف استخدامها المباشر للصواريخ، تبقى الساحات الأخرى عاملاً مؤثرًا. حزب الله في لبنان، أنصار الله في اليمن، وفصائل أخرى في المنطقة، يمتلكون قدرات صاروخية متنامية. هذه القدرات ليست نسخة مطابقة للبرنامج الإيراني، لكنها جزء من شبكة ردع متعددة الجبهات.
هنا يظهر التخوف الإسرائيلي مجددًا: تجميد النووي لا يعني تجميد البيئة الصاروخية المحيطة. بل قد يُنظر إليه كمرحلة تتيح لإيران تخفيف الضغط الاقتصادي، مع استمرار تطوير أدوات الردع التقليدي. ومن هذا المنظور، يصبح الاتفاق – إذا اقتصر على النووي – خطوة تكتيكية لا استراتيجية.
في المقابل، ثمة من يرى أن أي اتفاق – ولو جزئي – يقلل من احتمالات الحرب الشاملة، ويمنح المنطقة فترة هدوء نسبي. هذا الرأي ينطلق من أن الأولوية هي منع الانفجار الكبير، حتى لو بقيت الملفات الأخرى مفتوحة. لكن المعارضين لهذه المقاربة يجادلون بأن تأجيل معالجة الصواريخ يعني ترحيل الأزمة إلى مرحلة لاحقة، ربما تكون أكثر تعقيدًا.
السؤال الجوهري إذن ليس ما إذا كانت الصواريخ ستُذكر في الاتفاق، بل كيف ستؤثر على استقراره. فحتى في حال عدم إدراجها رسميًا، ستبقى حاضرة في كل تقدير أمني، وفي كل نقاش داخل غرف العمليات. الاتفاق الذي لا يأخذها في الحسبان قد يبدو متماسكًا على الورق، لكنه يبقى معلقًا على ميزان ردع غير مستقر.
ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو البعد الدولي. القوى الكبرى، بما فيها روسيا والصين، تراقب توازنات المنطقة من زاوية أوسع من الملف النووي وحده. إدخال الصواريخ في أي تفاوض رسمي قد يفتح الباب أمام إعادة رسم معادلات إقليمية أوسع، تتجاوز إيران وحدها. لذلك قد يُفضّل إبقاء الملف ضمن دائرة إقليمية، لا دولية.
في نهاية المطاف، يتضح أن الصواريخ ليست تفصيلًا تقنيًا يمكن فصله عن النووي، بل عنصرًا مكوّنًا لمعمار الردع الإقليمي. وإذا كان النووي يثير مخاوف الانتشار العالمي، فإن الصواريخ تثير مخاوف الاشتباك اليومي. وبين الخطر الاستراتيجي بعيد المدى، والخطر العملياتي القريب، تتحرك حسابات الدول.
ربما يكون الاتفاق ممكنًا، وربما يُجمّد التخصيب ويُخفّف العقوبات. لكن ما لم يُعالج ملف الصواريخ – سواء عبر نص رسمي أو عبر توازن ردع مستقر – سيبقى الاستقرار هشًا. لأن الردع في هذه المنطقة لا يقوم فقط على ما يُوقّع في جنيف، بل على ما يُخزّن في الأنفاق، وما يُنصب على المنصات، وما يُحسَب في كل غرفة عمليات.
الصواريخ إذًا ليست مجرد بند غائب عن الاتفاق، بل هي البند الذي يحدد مدى صموده. وفي معادلة الشرق الأوسط، كثيرًا ما تكون البنود غير المكتوبة هي الأكثر تأثيرًا. لأنها لا تُقاس بالكلمات، بل بالمدى… وبالدقة… وبالزمن الذي تستغرقه لتصل إلى هدفها.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير