jo24_banner
jo24_banner

الضمان الاجتماعي… حين يُختبر العقد بين الدولة والمواطن #عاجل

الضمان الاجتماعي… حين يُختبر العقد بين الدولة والمواطن #عاجل
جو 24 :
كتب -  زياد فرحان المجالي

ليست كل القوانين سواء. هناك قوانين تنظّم التفاصيل، وأخرى تضبط الإجراءات، لكن هناك قوانين تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها. قانون الضمان الاجتماعي واحد من هذه القوانين. لأنه ليس مجرد نص تشريعي، بل هو التعبير العملي عن العقد الاجتماعي الذي يقوم على فكرة واضحة: المواطن يعمل ويسهم، والدولة تحميه في شيخوخته وعجزه.

الجدل الدائر اليوم حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان لا يمكن اختزاله في أرقام تتعلق بسن التقاعد أو عدد الاشتراكات. القضية أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام سؤال مركزي: أي نموذج للدولة نريد؟ هل نريد دولة اجتماعية تعتبر الضمان حقًا مصونًا، أم دولة مالية تنظر إلى صناديق الادخار كأدوات لإدارة العجز؟

فكرة الضمان الاجتماعي لم تنشأ من فراغ. تاريخيًا، بدأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، حين أدركت الدول الصناعية أن الاستقرار السياسي والاجتماعي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء منظومة حماية للفئات العاملة. وبعد الحرب العالمية الثانية، ترسخت الفكرة أكثر ضمن مفهوم "دولة الرفاه”، حيث أصبح الضمان ركيزة للعدالة الاجتماعية، لا مجرد أداة مالية.

الأردن، رغم محدودية موارده، تبنّى هذا المفهوم مبكرًا. مؤسسة الضمان لم تكن منحة حكومية، بل ثمرة اقتطاعات شهرية من رواتب العمال والموظفين. هذه الأموال ليست ضرائب، بل مدخرات شخصية تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل. ولهذا فإن أي مساس بها يثير حساسية مشروعة، لأنها تمس تعب العمر.

لا أحد ينكر أن التحديات الاقتصادية حقيقية. المديونية مرتفعة، النمو بطيء، وسوق العمل يعاني من ضغوط. كما أن التغيرات الديموغرافية تفرض إعادة النظر في أنظمة التقاعد لضمان استدامتها. لكن الإصلاح لا يُقاس فقط بالنتيجة المالية، بل بمدى عدالته وشفافيته.

في الدولة الاجتماعية، تُقدَّم العدالة على الحسابات البحتة. أما في الدولة المالية، فتُقدَّم المعادلات الرقمية على الاعتبارات الاجتماعية. الأردن اليوم يقف بين هذين النموذجين. وإذا غلبت العقلية المحاسبية المجردة، فإننا نخاطر بإضعاف آخر مظلة أمان تحمي الطبقة الوسطى والعمال.

رفع سن التقاعد، أو زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة، أو تعديل شروط الاستحقاق، ليست قرارات تقنية فقط. هي قرارات تمس حياة الناس مباشرة. حين يُطلب من المواطن أن يعمل ثلاثة عقود متواصلة ليستحق تقاعدًا مبكرًا، في سوق عمل يعاني أصلًا من عدم الاستقرار، يصبح من حقه أن يسأل: هل نحافظ على روح الضمان أم نُفرغه من مضمونه؟

الثقة هنا هي الأساس. المواطن الذي يقتطع من راتبه شهريًا يفعل ذلك لأنه يؤمن بأن الدولة ستحميه لاحقًا. فإذا شعر أن هذه المعادلة اختلت، فإن الخلل لا يكون ماليًا فقط، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بالشفافية الكاملة. نشر البيانات الدقيقة حول الوضع المالي والاستثماري للصندوق، توضيح العوائد والمخاطر، فتح نقاش وطني حقيقي يشارك فيه الخبراء المستقلون والنقابات وممثلو المشتركين. الإصلاح لا يُفرض من أعلى، بل يُبنى بالتوافق.

الدولة القوية ليست التي توازن أرقامها فقط، بل التي تحافظ على عقدها الاجتماعي. والضمان الاجتماعي هو قلب هذا العقد. لأنه يمثل تعهدًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.

الأردن بحاجة إلى دولة مالية منضبطة، نعم. لكنه بحاجة أكثر إلى دولة اجتماعية عادلة. التحدي ليس في الاختيار بينهما، بل في تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية. لا يجوز أن تُحمّل الأجيال العاملة اليوم كلفة اختلالات سابقة، ولا أن تُمس الحقوق المكتسبة تحت عنوان الإصلاح.

الضمان ليس امتيازًا، وليس ترفًا، وليس صندوقًا احتياطيًا. هو صمام أمان اقتصادي واجتماعي، وهو مقياس ثقة المواطن بدولته. وأي تعديل يجب أن يعزز هذه الثقة، لا أن يهزها.

الملف اليوم ليس ماليًا فقط، بل أخلاقي وسياسي بامتياز. لأن الضمان الاجتماعي هو الاختبار الحقيقي لمدى إيمان الدولة بفكرة العدالة الاجتماعية. الأردني لا يطلب امتيازًا، بل يطلب ضمانًا أن تعب عمره لن يتحول إلى رقم في دفتر محاسبة.
الأردن لا يحتمل اهتزاز الثقة بين الدولة والمواطن. وإذا كان الإصلاح ضرورة، فليكن إصلاحًا يبدأ بالحوكمة والشفافية والمساءلة، لا بتحميل المشتركين العبء الأكبر.
فالضمان ليس مجرد قانون.
هو مرآة الدولة أمام شعبها.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير