jo24_banner
jo24_banner

المحكمة العليا، أدوات الضغط الاقتصادي، الحشد العسكري، والتهديد بضربة محدودة لإيران

زياد فرحان المجالي
جو 24 :


بين قرار المحكمة العليا والضربة المحدودة… هل تضيق أدوات ترامب الاقتصادية فتتسع خياراته العسكرية؟

في السياسة الأميركية، لا تتحرك الملفات الكبرى في عزلة. حين تصدر المحكمة العليا حكمًا يقيّد صلاحيات الرئيس الاقتصادية، وحين يخرج الرئيس ذاته في اليوم نفسه ملوّحًا بضربة عسكرية محدودة ضد إيران، فليس ذلك مجرد تزامن زمني عابر، بل لحظة سياسية مركّبة تعكس إعادة تشكيل لأدوات القوة داخل البيت الأبيض.

قرار المحكمة العليا الذي قضى بعدم قانونية معظم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على دول العالم، لم يكن ضربة اقتصادية فحسب، بل كان إعادة ترسيم لحدود السلطة التنفيذية. المحكمة قالت بوضوح إن استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977 لفرض رسوم واسعة يتجاوز صلاحيات الرئيس ويمسّ بصلاحيات الكونغرس، مستندة إلى مبدأ الفصل بين السلطات وعقيدة "الأسئلة الجوهرية” التي تشترط تفويضًا صريحًا من الكونغرس في القضايا ذات الأثر الاقتصادي والسياسي الضخم.

بهذا الحكم، سُحبت من يد ترامب إحدى أهم أدواته في السياسة الخارجية: سلاح الجمارك كأداة ضغط تفاوضي. فمنذ ولايته الأولى، استخدم الرسوم ليس فقط كوسيلة تحصيل مالي، بل كورقة ابتزاز سياسي، ووسيلة لإجبار خصوم وحلفاء على تقديم تنازلات في ملفات التجارة والطاقة والسياسة الإقليمية. كانت الجمارك بالنسبة له شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية منخفضة الكلفة السياسية داخليًا، ومرتفعة التأثير خارجيًا.
لكن عندما يُقيَّد الرئيس اقتصاديًا، ماذا يتبقى له في صندوق أدواته؟

في اللحظة ذاتها التي صدرت فيها إدانة المحكمة، كانت تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية تتحدث عن أن البنتاغون أنهى تقريبًا إعداد خطط لعملية عسكرية أولية محدودة ضد إيران، تتراوح بين ضرب منشآت نووية، واستهداف مشروع الصواريخ البالستية، وصولًا إلى عمليات نوعية ضد شخصيات أمنية وعسكرية رفيعة. رويترز نقلت عن مسؤولين أن التخطيط وصل إلى مراحل متقدمة، وأن الخيارات تشمل ضربات مركزة وربما سيناريوهات أوسع إذا فشلت الدبلوماسية.

البيت الأبيض يتحدث عن "مهلة 10 إلى 15 يومًا” للتوصل إلى اتفاق. ترامب يكرر أن "أمورًا سيئة ستحدث” إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم، ويؤكد في الوقت ذاته أنه يفضّل المسار الدبلوماسي. في المقابل، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يقول إن واشنطن لم تطلب "صفر تخصيب”، وإن النقاش يدور حول ضمان سلمية البرنامج النووي، ويعبر عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى اتفاق خلال فترة قصيرة.

هذا التناقض الظاهري بين لغة التهديد ولغة التفاوض ليس جديدًا في السياسة الأميركية، لكنه هذه المرة يأتي في سياق مختلف: الرئيس فقد جزءًا من قدرته على ممارسة الضغط الاقتصادي، وأصبح المجال المتاح أمامه لإظهار الحزم هو المجال العسكري.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل الضربة المحدودة خيار استراتيجي بحت، أم أداة سياسية داخلية لتعويض خسارة قانونية؟

من الناحية العملياتية، الحديث يدور عن استهداف منشآت أعيد ترميمها في البرنامج النووي الإيراني، ومواقع إنتاج وتخزين الصواريخ البالستية، ومنصات إطلاق ثابتة ومتحركة، إضافة إلى رادارات ومنظومات دفاع جوي، وربما مصانع مسيّرات. بعض التقارير تشير إلى احتمال توجيه ضربات لمراكز قيادة الحرس الثوري، أو تنفيذ عمليات نوعية عبر قوات خاصة، أو استخدام قاذفات بعيدة المدى مثل B-2 الموجودة في حالة تأهب مرتفعة، مع نشر حاملات طائرات إضافية في المنطقة.

لكن الضربة "المحدودة” في البيئة الإيرانية ليست مسألة هندسية بحتة. أي استهداف مباشر لمنشآت نووية أو صاروخية سيضع إيران أمام خيار الرد، سواء عبر أذرعها الإقليمية في العراق وسوريا واليمن ولبنان، أو عبر استهداف مصالح أميركية في الخليج، أو من خلال تصعيد غير مباشر ضد إسرائيل. حتى لو كانت الضربة مصممة لتكون رسالة تفاوضية لا حملة إسقاط نظام، فإن رد الفعل قد يتجاوز حسابات المرسل.

وهنا تكمن المفارقة: الإدارة الأميركية قد ترى في الضربة المحدودة وسيلة لتحسين شروط التفاوض، بينما قد تراها طهران محاولة لفرض الإملاء بالقوة، ما يدفعها إلى رد محسوب يحفظ ماء الوجه دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن مع مخاطر سوء تقدير عالية.

القرار القضائي الأميركي أضاف عنصر ضغط إضافي. عندما تقرر المحكمة أن الرئيس لا يملك صلاحية استخدام الرسوم الجمركية بهذا الاتساع، فإنها لا تضعف فقط أداة اقتصادية، بل تحد من قدرة الرئيس على المناورة دون المرور بالكونغرس. في المقابل، صلاحياته العسكرية، خاصة في العمليات المحدودة، تبقى أوسع وأسرع تنفيذًا. هذا الاختلال في أدوات القوة قد يدفع صانع القرار إلى تفضيل الأداة الأقل تقييدًا قانونيًا.

لكن المشهد لا يُختزل في شخص الرئيس. المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية تدرك أن أي تصعيد واسع في الخليج سيؤثر على أسعار النفط، وعلى الأسواق العالمية، وعلى أمن القواعد الأميركية المنتشرة في قطر والبحرين والكويت والعراق والأردن. لذلك يجري الحديث عن تعزيز منظومات الدفاع الجوي في هذه القواعد، وتحريك حاملات طائرات، ورفع مستوى الجاهزية الجوية والبحرية، ليس فقط لتنفيذ ضربة، بل لتحصين القوات من رد محتمل.

في الوقت ذاته، لا يمكن إغفال البعد الإسرائيلي. إسرائيل تعتبر مشروع الصواريخ البالستية الإيراني تهديدًا مباشرًا، وقد أثبتت في السنوات الماضية قدرتها على تنفيذ ضربات نوعية داخل إيران أو ضد مصالحها في المنطقة. أي تحرك أميركي سيُقرأ في تل أبيب ضمن سياق أوسع يتعلق بميزان الردع الإقليمي، وقد يفتح الباب أمام تنسيق أو على الأقل تقاطع عملياتي.

اقتصاديًا، الأسواق تراقب. أسعار النفط ترتفع مع كل تسريب عن تحريك حاملات أو نشر قاذفات بعيدة المدى. مشاركة سفن روسية في مناورات مع إيران في خليج عمان تضيف طبقة إضافية من التعقيد الجيوسياسي، إذ إن أي اضطراب في مضيق هرمز أو خطوط الملاحة سيؤثر على الاقتصاد العالمي.

في ضوء كل ذلك، تبدو الضربة المحدودة خيارًا محفوفًا بالمخاطر، لكنه في الوقت ذاته أداة ضغط مغرية سياسيًا. فهي قد تمنح الإدارة ورقة تفاوضية أقوى، وتعيد رسم خطوط حمراء واضحة، وتظهر الحزم في لحظة داخلية حساسة بعد قرار المحكمة. لكنها أيضًا قد تفتح بابًا يصعب إغلاقه إذا خرج الرد الإيراني عن الإطار المتوقع.

المشهد إذن ليس معادلة بسيطة بين حرب وسلام، بل شبكة توازنات دقيقة بين القضاء والسياسة، بين الاقتصاد والعسكر، بين الرسائل التفاوضية ومخاطر التصعيد. الرئيس الأميركي يقف أمام مهلة زمنية قصيرة، ودبلوماسية تقول إنها قريبة من اتفاق، ومؤسسة قضائية قيّدت إحدى أدواته، ومؤسسة عسكرية جاهزة بخطط متعددة، وإيران تلوّح بحق الدفاع عن النفس وتؤكد تمسكها ببرنامج نووي "سلمي”.

النتيجة النهائية لن تتحدد فقط بقرار في غرفة عمليات، بل بقدرة الأطراف على قراءة نوايا بعضها بدقة، وعلى إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة. ما يبدو اليوم "ضربة محدودة” قد يبقى في إطار الرسالة، أو يتحول إلى شرارة في بيئة إقليمية مشبعة بالتوتر.

في لحظات كهذه، لا يكون السؤال هل تقع الضربة، بل ماذا بعد الضربة؟ وكيف يُعاد ضبط ميزان الردع إذا اهتز؟ وهل تكون القوة العسكرية بالفعل ورقة تفاوض أخيرة، أم بداية مرحلة جديدة من عدم اليقين في الخليج والشرق الأوسط؟
هذه هي المعادلة التي ترسم ملامح الأيام المقبلة: قضاء يقيّد، رئيس يلوّح، جيش يستعد، وإقليم يترقب.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير