حين يعمل الجد أكثر… ينتظر الحفيد أطول تعديلات الضمان الاجتماعي وإعادة ترتيب الزمن الاجتماعي
عبد الله مصطفى السعود
جو 24 :
نادراً ما تكون قوانين الضمان الاجتماعي مجرد نصوص تنظيمية، فهي في حقيقتها تعبير عن الطريقة التي يوزع بها المجتمع الطمأنينة بين أجياله. إنها القانون الذي يحدد متى يبدأ الإنسان مسيرته المهنية، ومتى يحق له أن يتوقف مطمئناً إلى أن سنوات جهده لم تتحول إلى انتظار مفتوح.
لهذا، فإن تعديل سن التقاعد لا يغير رقماً قانونياً فحسب، بل يعيد ضبط الإيقاع الكامل للحياة الاقتصادية؛ إيقاع الدخول إلى العمل، والبقاء فيه، والخروج منه بكرامة.
لا شك أن الحفاظ على استدامة الأنظمة التأمينية هدف مشروع، بل ضرورة لا يمكن تجاهلها. لكن التجارب الاقتصادية تظهر أن الاستدامة الأكثر صلابة ليست تلك التي تطيل عمر الصناديق فقط، بل تلك التي تحافظ على توازن الفرص بين الأجيال.
فعندما تطول سنوات الخدمة دون نمو مواز في فرص العمل، لا يتسع السوق بقدر ما يزداد ازدحام الزمن داخله. وهنا تتجسد الحكاية ببساطتها الإنسانية:
جد ظن أن موعد الراحة اقترب فاكتشف أنه ابتعد خطوة أخرى، وأب يحاول الحفاظ على موقعه وسط تحولات سوق العمل، وابن ينتظر بداية لم تأت بعد لأن المكان لم يخل بعد.
قانون واحد، لكنه يعيد توزيع الوقت بين ثلاثة أجيال.
الوظيفة في جوهرها ليست موقعاً دائماً، بل دورة حياة تقوم على الإحلال والتجدد. وعندما تتباطأ هذه الدورة، لا يتوقف أثرها عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى الشعور العام بالعدالة والفرص.
كما أن العامل الأكبر سناً قد يجد نفسه في مساحة غير واضحة المعالم؛ سوق عمل لا يمنحه اليقين الكامل، وتشريع يؤجل تقاعده في الوقت ذاته. وهنا تظهر مفارقة صامتة: الحماية الاجتماعية تصبح أقل وضوحاً في المرحلة التي يفترض أن تكون فيها أكثر حضوراً.
التقاعد لم يكن يوماً نهاية للعمل بقدر ما كان انتقالاً منظماً يوازن بين حق من أعطى وحق من ينتظر. وعندما يطول هذا الانتقال أكثر مما يحتمل الواقع الاقتصادي، يبدأ السؤال الاجتماعي بالظهور قبل السؤال المالي.
الإصلاح الحقيقي ربما لا يكمن في إطالة سنوات العمل وحدها، بل في توسيع مساحة العمل نفسها. فاقتصاد يخلق فرصاً جديدة يستطيع أن يحمي الاستدامة دون أن يؤجل الاستحقاق، ويمنح الأجيال شعوراً بأن الزمن يعمل لصالحها لا ضدها.
بالنهاية، تستطيع القوانين إعادة ترتيب المواعيد، لكنها لا تستطيع إعادة تعريف تطلعات الناس. فبين جد ينتظر الراحة، وأب يبحث عن الاستقرار، وابن ينتظر البداية، تتجسد العدالة الاجتماعية في معناها الأعمق: أن يحصل كل جيل على وقته الطبيعي في العمل… ووقته المستحق في الراحة.
abdallahm.alsoud@gmail.com








