jo24_banner
jo24_banner

القوة المستطاعة (٢)

د. نبيل الكوفحي
جو 24 :
 رمضانيات (٥)
 
نكمل ما ورد في المقال السابق حول سياقات الآية [٦٠] في سورة الأنفال، حيث أوردت الآية ذكر القوة على شكل نكرة، وقد سبقتها من التبعيض ( من قوة) وايضاً (من رباط الخيل)، للدلالة على القلة والعموم وليست الكثرة والخصوص، والاستطاعة حالة متنامية وليست ثابتة، وهي متعلقة ببذل أقصى الجهد، وليس بالضرورة شرط بلوغها ما يسمى " التوازن مع العدو" سواء في عدده او عدته. لذلك في استقراء لغالب معارك المسلمين مع أعداء الله، نجد انتصار المسلمين رغم الفارق الكبير في العدد والعدة لصالح عدوهم، وهذا تحقيق لمفهوم القوة المستطاعة والتوكل على الله وطلب النصر من عنده، وبغير هذه الشروط لا يكون النصر، وما درس غزوة حنين عنا ببعيدة والتي انزل الله تعالى فيها ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)، والأمر ليس متعلق بمعارك قديمة، بل هو قائم ليوم الدين.

وعرج على النوع وخص رباط الخيل كشكل مميز من القوة، للدلالة على أهميتها وأثرها، والمقصود هنا حالة الخيل التي كانت تشكلها في ميزان القوة آنذاك، وينسحب عليها كل ما يماثلها من قوة الهيمنة والرمي عن بعد. وفي الدلالة على اهمية القوة عن بعد وهي ما يمكن ان نطلق عليه اليوم الصواريخ او الطائرات ومنها الطائرات المسيرة، ما روي عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة : صانعه يحتسب في صنعته الخير ، والرامي به ومنبله ، وارموا واركبوا ، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا". والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها؛ ويخص (رباط الخيل) لأنه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة. والمهم هو عموم التوجيه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).

وأكد على اهمية المال، فجعل الله الانفاق أيضاً ملازما لأعداد القوة فجاء في عقب الاية [٦٠] استكمالا للقوة قوله تعالى ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون). حيث انه عنصر لازم ينبغي توفيره بشكل مؤسسي وحض المومنين على الجود به،

وحدد الهدف الاول من اعداد القوة وهو منع الاعتداء (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) اي ان ادراك العدو لاخذ المسلمين بالقوة سيؤدي إلى منع عدوانهم إبتداءاً، حيث تقع الرهبة في قلوبهم. وهذا يحتاج إلى ادوات اعلامية مناسبة لتوصل رسالة الرعب للاعداء.

وحذّر من الارتهان للاتفاقات مع الآخرين والثقة فيهم ، لذلك جاءت الاية ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ) وهذا يشير لعنصر آخر من القوة ؛ وهو قوة المعلومات، والمعنى الحاضر هنا هو قوة الاستخبارات والتحري عن الخصم بكل أدواتها واجهزتها. لذلك كان سياق الايات بهذا المعنى واضحا في الاثر النفسي لفعل القوة على الآخرين وأثره في كف عدوانهم، قوله تعالى (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)
وجعل الله الانفاق أيضاً ملازما لأعداد القوة فجاء في عقب الاية [٦٠] استكمالا للقوة قوله تعالى ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون).

هذه هي منظومة القوة المستطاعة في النظرة الإسلامية، والتي اتخذت استراتيجية في كل العصور الإسلامية السابقة، فكان لها الاثر الأكبر في امتداد الحضارة الإسلامية وإعادة النهوض وصد الغزوات المختلفة عليها من مغولية وصليبية وغيرها. واي تبرير لاستكانة او استسلام في معارك الامة مع اعدائها مرتبط بالعجز عن " القوة المكافئة" او " التوازن الاستراتيجي" هو هروب من حقيقة المعركة وتوكل على غير الله بالمطلق، ولنا شواهد حديثة كثيرة حتى لغير المسلمين في انتصارهم على عدو يفوقهم عددا وعدة.

ما أحوجنا ونحن في شهر رمضان - شهر الجهاد- ان ننصح ونشيع هذه المعاني لدى اصحاب القرار ولدى العامة، خاصة في ظل خطط معلنة و تهديدات مستمرة لكل آلعرب المحيطين من قبل أعداء الله واعدائنا المحتلين لارضنا في فلسطين. وبناء خططنا كدولة في كافة المجالات المطلوبة وفق هذه المنهجية.
وتقبل الله طاعتكم وقيامكم بالقوة المستطاعة.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير