jo24_banner
jo24_banner

السردية الغائبة في ملف الضمان الاجتماعي: عندما يفشل الخطاب قبل القرار

د. محمد تركي بني سلامة
جو 24 :


عاد ملف قانون الضمان الاجتماعي إلى واجهة النقاش العام، لكن ما يلفت الانتباه في هذا الجدل ليس فقط مضمون القانون أو التعديلات المقترحة عليه، بل السردية التي أحاطت بطرحه وإدارته. فالمتابع لما جرى يلاحظ بوضوح أن السردية الحكومية بدت ضعيفة ومربكة، بل وربما أقل تماسكاً من السردية التي قدمها مجلس النواب في موقفه الأخير. وفي الحالتين، يمكن القول إن الطرفين لم ينجحا في إدارة هذا الملف الحساس على النحو الذي يليق بقضية تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين.

القضية هنا لا تتعلق بمجرد تعديل تشريعي أو إجراء إداري، بل ترتبط بمنظومة ثقة بين الدولة والمجتمع. فحين يتعلق الأمر بالضمان الاجتماعي، فإن الحديث يدور حول مستقبل العمال والموظفين، وحقوق المتقاعدين، واستدامة واحدة من أهم المؤسسات الاجتماعية في الدولة. لذلك فإن أي نقاش حول هذا الملف يحتاج إلى سردية واضحة، صادقة ومقنعة للرأي العام، تشرح أسباب التعديل وتوقيته وأهدافه، وتضع الناس أمام الحقائق بوضوح.

لكن ما حدث في الواقع يعكس مشكلة أعمق من مجرد خلاف حول نصوص قانونية. فقد بدا واضحاً أن توقيت طرح القانون لم يكن موفقاً، كما أن أسلوب تقديمه وإدارته إعلامياً وسياسياً لم يكن بالمستوى المطلوب. الحكومة لم تنجح في تقديم سردية متماسكة تفسر للرأي العام دوافع التعديل وأبعاده، فيما اكتفى مجلس النواب بردود فعل سياسية وإعلامية لم تسهم بدورها في تقديم رؤية متكاملة للحل.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فعندما تغيب السردية الواضحة، ويضعف التفسير المنطقي للقرارات، يصبح المجال مفتوحاً أمام الشكوك والتأويلات، ويتحول النقاش من حوار موضوعي حول السياسات العامة إلى جدل سياسي وإعلامي قد يبتعد عن جوهر القضية.

إن المواطنين لا يبحثون فقط عن القرارات، بل عن رواية مقنعة تشرح لهم لماذا اتخذ القرار، وما هي مبرراته الاقتصادية والاجتماعية، وما أثره الحقيقي على حياتهم ومستقبلهم. فالمجتمعات اليوم أكثر وعياً وقدرة على قراءة السياسات العامة، ولا يمكن إقناعها بخطاب إنشائي أو تبريرات متأخرة.

من هنا، فإن ما جرى في ملف الضمان الاجتماعي يعكس إخفاقاً مزدوجاً؛ إخفاقاً حكومياً في إدارة الملف وتقديم سردية واضحة حوله، وإخفاقاً برلمانياً في إدارة النقاش بطريقة بنّاءة تقدم بدائل وحلولاً واقعية بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل.

ومع ذلك، فإن النقد هنا لا يهدف إلى تسجيل المواقف بقدر ما يسعى إلى الدعوة لمراجعة هادئة ومسؤولة من جميع الأطراف. فملف الضمان الاجتماعي لا يحتمل المزايدات السياسية أو الحسابات الضيقة، لأنه يتعلق بمؤسسة تمثل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاجتماعي في الأردن.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بوضوح هي أن الوضع الحالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي يحمل قدراً من الهشاشة، وهو ما يجعل الخيارات المتاحة أمام صناع القرار محدودة ومعقدة في الوقت نفسه. وهذا يعني أننا أمام أزمة حقيقية تحتاج إلى إدارة حكيمة وعقلانية، تقوم على الحوار الصريح والشفافية الكاملة في عرض الحقائق.

إن التعامل مع هذه الأزمة يجب أن ينطلق من عدة مبادئ أساسية؛ أولها الحوار الوطني الجاد الذي يشارك فيه الخبراء والاقتصاديون ومؤسسات المجتمع المدني، وثانيها الشفافية في تقديم البيانات والمعلومات المتعلقة بوضع المؤسسة المالي ومستقبلها، وثالثها احترام عقول المواطنين وإشراكهم في فهم التحديات التي تواجه هذه المؤسسة الحيوية.

كما أن أي معالجة مستقبلية يجب أن تستند إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة التي تضمن إدارة مستدامة وعادلة لموارد الضمان، وتحافظ في الوقت ذاته على حقوق الأجيال الحالية والقادمة.

في النهاية، قد نختلف حول السياسات والتشريعات، لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه هو أن استدامة الضمان الاجتماعي مسؤولية وطنية مشتركة. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس مزيداً من الجدل، بل سردية وطنية صادقة تقوم على الحقائق والشفافية، وتفتح الباب لحوار مسؤول يوازن بين متطلبات الإصلاح وحقوق المواطنين.

فببساطة، هكذا تُبنى السرديات المسؤولة… وهكذا تُدار القضايا الكبرى التي تمس مستقبل المجتمع.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير