هيغسيث وترامب: الحرب على إيران بين القوة والعقيدة الصليبية
مع اتساع رقعة الحرب الأمريكية-الصهيونية ضد إيران، أصبح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الوجه الأبرز للسياسة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. لكنه ليس مجرد وزير حرب متشدد، بل ممثل واضح لتحول أعمق في الفلسفة العسكرية والسياسية لواشنطن، حيث تتقاطع الأيدولوجيا مع الاستراتيجية لتقديم الصراع على إيران كحرب حضارية وعقائدية، لا مجرد نزاع جيوسياسي محدود.
هيغسيث، الذي صعد من استوديوهاتFox News إلى قيادة أقوى جيش في العالم، يرى في القوة العسكرية أداة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، وهو يطرح ما يشبه عقيدة تقوم على العنف الساحق والحسم العسكري السريع. وهو يذلك يمثل تيارا صاعداً داخل مؤسسة الحكم الأمريكية يُعرف ب"القومية المسيحية"، وهو تيار يرى أن للولايات المتحدة رسالة دينية وسياسية في فرض هيمنتها على النظام الدولي. ليس هذا فحسب، بل إنه يسعى عملياً إلى إعادة تعريف وظيفة المؤسسة العسكرية الأمريكية لتصبح كأداة للهجوم والحسم لا مجرد وسيلة دفاعية.هذا التحول ليس مسألة رمزية فحسب بل يتوافق تماماً مع أيدولوجية الرئيس ترامب نفسه الذي اصدر أمرا تنفيذيا في سبتمبر 2025 بتغيير إسم "وزارة الدفاع" الى "وزارة الحرب" Department of War .
بناء على ذلك فإن خطاب هيغسيث يضفي على الحرب الحالية على إيران بعداً دينياً واضحاً، إذ يقدم المواجهة مع إيران باعتبارها مواجهة مع "تطرف ديني" يسعى إلى امتلاك سلاح نووي لتحقيق مواجهة كبرى عقائدية مع امريكا والغرب هدفها المرحلي الأول محو دولة الكيان الصهيوني من الوجود. وهو يروج لفكرة تعزيز الجانب الروحي للجنود الأمريكيين عبر إعادة إحياء دور القساوسة العسكريين قبل التوجه إلى ساحات القتال. ومع شعاراته الصليبية ووشوم صليب القدس، يصبح الخطاب العسكري أقرب إلى حرب حضارية وعقائدية تشبه الحروب الصليبية القديمة، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر تصعيدية.
لكن هذا النهج لا يحظى بإجماع داخل البنتاغون. فالتقارير تشير إلى قلق متزايد بين كبار القادة العسكريين من أن هذه العقيدة قد تدفع الولايات المتحدة نحو مواجهة يصعب التحكم في نتائجها، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط المعقدة.
وهنا يكمن جوهر القلق: صعود وزير حرب مثل هيغسيث، مع توافقه مع أيدولوجية ترامب، لا يمثل فقط تصعيداً عسكرياً، بل تحولاً في طبيعة القرار الأمريكي نفسه. لم تعد واشنطن تدير صراعاتها بمنطق الدولة العظمى الحذرة التي تحسب خطواتها بدقة، بل أصبح جزء من القرار العسكري والسياسي مرتبطاً بمشروع أيديولوجي يخلط بين القوة والعقيدة، بين السياسة والدين، بين الاستراتيجية والترويج للحروب الحضارية.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما يتقاطع مع طموحات اليمين المتشدد في الدولة الصهيونية، الذي يسعى منذ سنوات إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يضمن تفوقه الإستراتيجي الكامل وتحقيق حلم دولته التوراتي في المشرق العربي "من الفرات الى النيل". وعندما يلتقي هذا الطموح مع خطاب أمريكي يمنح الحرب بعداً أيديولوجياً أو دينياً، فإن النتيجة قد تكون تحويل نزاع سياسي قابل للاحتواء إلى مواجهة مفتوحة ذات طابع عقائدي.
وفي منطقة أنهكتها الحروب لعقود، فإن تحويل النزاع إلى مواجهة عقائدية لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة النار، وخلط الأوراق، وإطالة أمد النزاعات، ودفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تكون أكثر خطورة من أي وقت مضى.








