صمت الحوثيين: هدوء تكتيكي أم انتظار لحظة الحرب؟
زياد فرحان المجالي
جو 24 :
في الشرق الأوسط لا يكون الهدوء دائمًا علامة على انتهاء التوتر، بل كثيرًا ما يكون مقدمة لمرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع. ولهذا يثير الصمت النسبي لجبهة الحوثيين في اليمن، في ظل المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تساؤلات متزايدة لدى المراقبين. فالجبهة التي بدت خلال السنوات الماضية إحدى أكثر الساحات نشاطًا في معادلة الصراع الإقليمي، تبدو اليوم وكأنها تراقب المشهد من مسافة محسوبة.
لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا يسود هذا الهدوء الآن، بل ما إذا كان يعكس قرارًا استراتيجيًا بالابتعاد عن المواجهة، أم أنه مجرد هدوء تكتيكي يسبق مرحلة جديدة من التصعيد في المنطقة.
لفهم هذه المسألة، لا بد أولًا من النظر إلى طبيعة الحركة الحوثية نفسها. فالحوثيون، رغم ارتباطهم السياسي والعسكري بإيران، ليسوا مجرد أداة تتحرك تلقائيًا ضمن صراعاتها الإقليمية. فالحركة نشأت في سياق الصراع الداخلي اليمني، وتطورت قوتها عبر مسار طويل من التفاعلات المحلية المرتبطة بتاريخ اليمن وبنيته الاجتماعية والسياسية.
ولهذا فإن أولويات الحوثيين تبقى في كثير من الأحيان مرتبطة بمصالحهم الداخلية وبمشروعهم السياسي داخل اليمن. فالحركة التي تمكنت خلال السنوات الماضية من تثبيت حضورها في أجزاء واسعة من شمال البلاد تدرك أن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تحمل مخاطر كبيرة على توازناتها الداخلية وعلى قدرتها على إدارة المناطق التي تسيطر عليها.
العامل الاقتصادي يلعب أيضًا دورًا مهمًا في هذه الحسابات. فالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تواجه تحديات اقتصادية صعبة نتيجة سنوات طويلة من الحرب والعقوبات وتراجع الموارد. وفي مثل هذه الظروف يصبح الدخول في مواجهة عسكرية جديدة قرارًا مكلفًا قد يزيد الضغوط على الاقتصاد المحلي وعلى قدرة الحركة على الحفاظ على استقرار مناطق نفوذها.
كما أن الحسابات العسكرية تفرض بدورها نوعًا من الحذر. فالحركات المسلحة، مثل الجيوش النظامية، تمر بمراحل من التصعيد وأخرى من التهدئة الاستراتيجية. وخلال فترات الهدوء تسعى هذه الحركات عادة إلى إعادة تنظيم قدراتها العسكرية وإعادة بناء مخزونها من السلاح والاستعداد لجولات جديدة من المواجهة.
ومن هذا المنطلق قد يكون الهدوء الحالي جزءًا من حسابات التوقيت أكثر مما هو تعبير عن تراجع في الدور أو التأثير. فالحروب في المنطقة كثيرًا ما تُدار وفق مبدأ اختيار اللحظة المناسبة، وليس بالضرورة وفق ردود فعل فورية على كل تطور سياسي أو عسكري.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الهدوء يثير قلقًا لدى بعض الدوائر الأمنية في المنطقة. فالتجربة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن عنصر المفاجأة أصبح عاملًا حاسمًا في كثير من الصراعات. وفي عدد من الحالات تحولت جبهات بدت هادئة نسبيًا إلى ساحات تصعيد مفاجئ غيّر مسار الأحداث خلال وقت قصير.
كما أن موقع اليمن الجغرافي يمنح الحوثيين أهمية استراتيجية تتجاوز حدود البلاد نفسها. فاليمن يقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر جزء كبير من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد أظهرت التطورات خلال السنوات الماضية أن أي اضطراب في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس سريعًا على حركة الملاحة الدولية وعلى الأسواق العالمية.
ولهذا فإن أي تغير في سلوك الجبهة اليمنية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا محليًا فقط، بل جزءًا من معادلة إقليمية أوسع ترتبط بأمن الطاقة العالمي وباستقرار طرق التجارة الدولية.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول إن الصمت الحوثي الحالي قد يكون تعبيرًا عن مرحلة من إعادة تقييم الموقف أكثر منه انسحابًا من معادلة الصراع. فالحركات المسلحة، مثل الدول، تحاول في أوقات الأزمات الكبرى الموازنة بين طموحاتها السياسية وقدراتها الواقعية، وبين رغبتها في التأثير في مجريات الأحداث وبين مخاطر الانزلاق إلى مواجهات قد تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
وهنا تبرز مفارقة لافتة في المشهد الإقليمي:
ففي الحروب الإقليمية المعقّدة، لا تُقاس قوة الأطراف فقط بما تطلقه من صواريخ، بل أحيانًا بما تختار ألا تطلقه في اللحظة المناسبة.
وفي النهاية، قد لا يكون الصمت الحوثي اليوم دليلًا على تراجع الدور بقدر ما يعكس قراءة دقيقة للحظة الإقليمية. فالحروب في الشرق الأوسط لا تُدار دائمًا وفق ردود الفعل السريعة، بل وفق حسابات التوقيت والقدرة والبيئة الاستراتيجية.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا تلتزم جبهة اليمن الصمت الآن، بل متى يمكن أن يتغير هذا الصمت، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على خريطة التوازنات في منطقة لا تعرف الاستقرار طويلًا. ففي الشرق الأوسط، كثيرًا ما يكون الهدوء مجرد استراحة قصيرة قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحسابات الصعبة.








