ساكس : الحرب على إيران تقودها اوهام القوة وتهدد النظام الدولي
اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جو 24 :
في خضم التصعيد غير المسبوق في المنطقة، تبرز مواقف المفكر الاقتصادي والسياسي الأمريكي Jeffrey Sachs بوصفها قراءة نقدية عميقة تتجاوز السرديات الرسمية، وتضع الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران في سياقها الأوسع: صراع على الهيمنة، لا مجرد مواجهة أمنية عابرة.
ساكس: عقل اقتصادي يقرأ الجغرافيا السياسية
يُعد ساكس أحد أبرز الاقتصاديين العالميين وأستاذًا في جامعة كولومبيا، وقد عُرف بقراءاته النقدية الحادة للسياسات الخارجية الأمريكية، خاصة تلك التي تعتمد على القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل العالم. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى الحرب الجارية باعتبارها امتدادًا لنمط طويل من التدخلات التي غالبًا ما تنتهي بنتائج عكسية.
حرب وكالة بأهداف مشتركة
في توصيفه لطبيعة المعركة ضد إيران، يرفض ساكس فكرة انها مجرد رد فعل دفاعي، ويقدمها بوصفها نتاج تلاقي مصالح عميق بين تيار المحافظين الجدد في واشنطن وتيارات اليمين المتطرف في دولة الكيان. هذا التلاقي، برأيه، حوّل الحرب إلى ما يشبه "حرب وكالة بأهداف مشتركة"، حيث تتحرك القوتان ضمن رؤية استراتيجية واحدة تسعى إلى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بعد السيطرة التامة عليه، ليس عبر توازنات جديدة، بل عبر كسر التوازن القائم وفرض واقع أحادي.
كسر التوازن الإقليمي وفرض الهيمنة
ضمن هذا الإطار، يحدد ساكس الهدف الحقيقي للحرب بأنه يتجاوز مسألة الأمن أو البرنامج النووي، ليصل إلى السعي لإنهاء أي قوة إقليمية قادرة على موازنة إسرائيل، وعلى رأسها إيران. فالمقصود، وفق تحليله، هو تفكيك محور النفوذ الذي تقوده طهران، وإعادة تشكيل المنطقة بما يضمن تفوقًا إسرائيليًا دائمًا وهيمنة أمريكية على ممرات الطاقة والتجارة الدولية.
إيران بين الردع والبقاء
يقدّم ساكس إيران بوصفها دولة تتحرك ضمن منطق الدفاع عن الذات، لا كمشروع توسعي مستقل. فهي، بحسب قراءته، تطور قدراتها العسكرية في إطار سياسة ردع تهدف إلى حماية نفسها من بيئة إقليمية معادية وضغوط متصاعدة. ومن هنا، يرى أن تصويرها كمصدر تهديد مطلق يتجاهل السياق الأمني الذي تعمل ضمنه. وفي المقابل، يبرز اختلافًا في طبيعة المشاريع، حيث تُعرّف إسرائيل كدولة ارتبط نشوء مشروعها منذ البداية بالتوسع وفرض الوقائع على الأرض، خصوصًا على حساب فلسطين ومحيطها الإقليمي.
أوهام إسقاط النظام الإيراني
يذهب ساكس إلى أن الرهان على إسقاط النظام في إيران هو رهان غير واقعي، نظرًا لما يتمتع به من تماسك مؤسسي وأمني، إضافة إلى شبكة نفوذ داخلية وإقليمية تعزز قدرته على الصمود. كما يؤكد أن فكرة إعادة إيران إلى ما كانت عليه قبل الثورة الإيرانية، كما كانت تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، ليست سوى وهم استراتيجي يتجاهل التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإيراني.
شريعة الغاب: الاغتيال كأداة سياسية
من أكثر ما يثير انتقاد ساكس هو اعتماد سياسة الاغتيالات لتغيير الأنظمة، وهو ما يعتبره انحدارًا خطيرًا في قواعد النظام الدولي. فمثل هذا النهج، برأيه، يكرّس منطق "شريعة الغاب"، ويقوض القانون الدولي، ويفتح الباب أمام فوضى عالمية يصبح فيها أي طرف عرضة للاستهداف خارج أي إطار قانوني.
تحذير لدول المنطقة
لا يتوقف ساكس عند نقد السياسات الكبرى، بل يوجه تحذيرًا مباشرًا لدول الشرق الأوسط من الرهان على الولايات المتحدة كضامن للأمن. فهو يرى أن واشنطن لا تتحرك بدافع الحماية، بل بدافع توظيف المنطقة وصراعاتها لخدمة هيمنتها الجيوسياسية والاقتصادية.
نحو حل قائم على العدالة لا القوة
في مقابل هذا المشهد، يطرح ساكس رؤية للحل تقوم على العودة إلى مرجعيات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرارات الأمم المتحدة، والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على أرض فلسطين، ووقف سياسة تغيير الأنظمة. ويؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر التفوق العسكري، بل من خلال العدالة السياسية والتكامل الاقتصادي.
خاتمة
في المحصلة، يقدّم ساكس قراءة ترى في الحرب الحالية مشروعًا لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة، تقوده إرادتان متلاقيتان وتغذيه أوهام استراتيجية، من إسقاط الأنظمة إلى فرض الهيمنة الكاملة. غير أن هذا المسار، كما يحذر، لا يقود إلى استقرار، بل إلى مزيد من الفوضى، في عالم لم يعد يحتمل مغامرات مفتوحة بلا سقف أو حساب.








