حين يضيق مضيق تايوان: اختبار حدود القوة بين واشنطن وبكين
المحامية رحمه العزه
جو 24 :
يشكل مضيق تايوان إحدى أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة، حيث تتقاطع اعتبارات السيادة الوطنية الصينية، وأمن تايوان، واستراتيجية الاحتواء الأمريكية في شرق آسيا، فلم يعد المضيق مجرد ممر بحري يفصل بين الصين القارية وتايوان، بل تحول إلى عقدة استراتيجية تختبر توازن القوى بين الولايات المتحدة والصين، وتنعكس تداعياته على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة.
يُعد مضيق تايوان شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الشحن البحري بين شمال شرق آسيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا، فإن أي اضطراب في هذا الممر سيؤثر مباشرة في سلاسل الإمداد العالمية المتعلقة بقطاعات الطاقة والسلع الصناعية.
ومن الناحية التكنولوجية، فتكمن الأهمية الأعمق في موقع تايوان نفسها، التي تستضيف أكبر مصنع لأشباه الموصلات المتقدمة في العالم، وتعتمد الصناعات الأمريكية والأوروبية والآسيوية على الرقائق التايوانية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية، والسيارات الكهربائية، والاتصالات، فإن أي تهديد للمضيق يعني تهديدًا مباشرًا للنظام التكنولوجي العالمي، وأن إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية تتجاوز في تأثيرها أزمة سلاسل التوريد خلال جائحة كوفيد-19، مع تداعيات تضخمية عالمية واضطراب في الأسواق المالية.
رغم أن المضيق يُعد قانونيًا مياهًا دولية في جزء كبير منه، فإن الصين تعتبره جزءًا من مجالها السيادي المرتبط بمبدأ "الصين الواحدة"، وعمليًا تمارس بكين نفوذًا متزايدًا عبر أدوات متعددة من الضغط العسكري التدريجي وتكثيف طلعات الطيران العسكري حول تايوان، وتنفيذ مناورات بحرية واسعة النطاق تحاكي الحصار البحري، واستراتيجية المنطقة الرمادية واستخدام وسائل ضغط دون الوصول إلى حرب مفتوحة، مثل فرض مناطق تفتيش أو تدريبات عسكرية تغلق أجزاء من المضيق مؤقتًا، والتفوق الصاروخي ومنع الوصول، حيث طورت الصين منظومات صاروخية قادرة على استهداف السفن الأمريكية في حال تدخلها، ما يعزز قدرتها على فرض أمر واقع عسكري حول الجزيرة، يضاهي الواقع الحاصل في الحرب الأمريكية الإسرائيلي على إيران.
وأما عن سيناريو الحرب غير المباشرة بين واشنطن وبكين من خلال صراع عبر الوكلاء أو عمليات محدودة دون إعلان حرب شاملة، فإن مضيق تايوان سيكون المسرح والسبب الأساسي للتصعيد، ويتضمن هذا السيناريو ما بين الحصار البحري الصيني محدود مع اختبار رد الفعل الأمريكي، أو انتشار بحري أمريكي مكثف لحماية "حرية الملاحة" يرفع خطر الاحتكاك العرضي، أو حرب إلكترونية سيبرانية تستهدف أنظمة الملاحة والموانئ والبنية التحتية للطاقةمما يشل عملها منعكساً على السوق الأمريكية والعالمية، الى أن يصل الى اضطراب عالمي فوري في أسواق الطاقة والرقائق الإلكترونية. وفي هذا السياق قد لا تسعى واشنطن إلى كسر الحصار بالقوة المباشرة، بل عبر تحالفات إقليمية تشمل اليابان وأستراليا، إضافة إلى فرض عقوبات اقتصادية ضخمة على بكين، إلا أن خطورة التصعيد تكمن في أن أي خطأ تكتيكي قد يتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين قوتين نوويتين لتتحول الى حرب عالمية محتملة.
ورغم ما تم سرده سابقاً، يبقى السؤال الأهم هل تدرك واشنطن خطورة هذا السناريو، فعلياً فإن إغلاق المضيق سيشكل ضربة مزدوجة للولايات المتحدة الأمريكية من حيث ضرب اقتصاد النظام العالمي الذي تقوده، وضربة استراتيجية لمصداقيتها الأمنية في آسيا، لذلك تتبع واشنطن سياسة "الغموض الاستراتيجي"، حيث تدعم تايوان عسكريًا وسياسيًا دون الاعتراف الرسمي باستقلالها، وتحافظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال عسكرية مع بكين لتفادي سوء الحسابات، وتبتعد عن أي خطوة قد تُفسر باعتراف رسمي باستقلال تايوان، لأنها تدرك أن ذلك قد يدفع الصين إلى رد عسكري فوري، أو فرض حصار فعلي على المضيق، كما تحرص البحرية الأمريكية على تنفيذ عمليات "حرية الملاحة" بشكل محسوب لتجنب استفزاز مباشر يؤدي إلى إغلاق فعلي للممر، وبعبارة أخرى واشنطن لا تتجنب المواجهة ضعفًا بل إدارةً للمخاطر، لأن تكلفة إغلاق المضيق تتجاوز الإطار الإقليمي لتصل إلى النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
الصين تدرك أن الزمن يعمل لصالحها اقتصاديًا وعسكريًا، لكنها تخشى أن يؤدي ترسخ الهوية التايوانية المنفصلة إلى إغلاق نافذة "إعادة التوحيد"، والولايات المتحدة تدرك أن خسارة تايوان ستعني تآكل مصداقيتها في آسيا وانهيار هندسة الردع التي بنتها منذ الحرب الباردة، والجدل الأعمق هنا هو أن المضيق لم يعد مجرد ممر ملاحي أو نقطة نزاع سيادي، بل تحول إلى اختبار لمفهوم توزان القوى وهل لا يزال الردع المتبادل قادرًا على منع الحرب، أم أن تشابك الاقتصاد بالتكنولوجيا بالسلاح جعل الصدام مسألة وقت لا أكثر، فالمعضلة تكمن في أن الطرفين أصبحا عالقين داخل منطق ردعي يُغذي نفسه بنفسه، وكل تعزيز عسكري يُبرر بالدفاع، لكنه يُفسَّر لدى الطرف الآخر كاستعداد للهجوم، وبالتالي هل يستطيع العالم تحمّل تبعات اليوم الذي يُغلق فيه المضيق؟







