حين يصبح "السعر سالباً": كيف تُسوَّق الأفكار عندما تعجز عن الإقناع؟
اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جو 24 :
منطق السوق: حين يفقد الشيء قيمته
في الاقتصاد، يبدو مفهوم السعر بسيطاً ومباشراً: يدفع المشتري مقابلاً للحصول على سلعة يراها نافعة، وهذا هو "السعر الموجب" الذي يعكس توازناً طبيعياً بين القيمة والطلب. لكن الصورة لا تكتمل دون الحالات الأخرى؛ حين تتراجع الرغبة تُعرض السلعة مجاناً فيصبح سعرها صفراً، وإذا تحولت إلى عبء قد يضطر مالكها إلى الدفع كي يتخلص منها—وهنا نكون أمام "السعر السالب".
هذه الفكرة، على بساطتها، تفتح نافذة لفهم ما يجري خارج الأسواق، في فضاء الأفكار والسياسات. فليس كل ما يُطرح ينجح لأنه مقنع بذاته؛ أحياناً يُدفع له—بأشكال مباشرة أو غير مباشرة—كي يُقبل، فيتحول "التمويل" إلى بديل للتسويق بدلا عن "القناعة".
برامج تُشترى بالقبول لا بالقناعة
يمكن تتبع هذا النمط في عدد من البرامج الاجتماعية. لنأخذ بعض برامج تنظيم الأسرة: في مجتمعات ترى في الأسرة الكبيرة قيمة اجتماعية أو اقتصادية، لم تحظَ هذه البرامج بقبول واسع عند طرحها الأول. وبدلاً من إعادة صياغتها وفق السياق المحلي، جرى تعزيزها بحوافز: دعم مالي، خدمات مجانية مشروطة، امتيازات مرتبطة بالالتزام. هنا لم تعد الفكرة تُقاس بقدرتها على الإقناع، بل بقدرتها على جذب المشاركة عبر "تعويض" خارجي.
المشهد يتكرر في برامج التدريب والتمكين الممولة خارجياً، حيث تُبنى مبادرات على نماذج جاهزة، ثم تُضخ فيها الموارد لضمان الحضور: بدلات، فرص سفر، شهادات، وتغطية إعلامية. ومع ذلك، يبقى الأثر محدوداً عندما لا تتطابق هذه البرامج مع واقع السوق أو تطلعات المستفيدين، فتتحقق المشاركة دون ترسخ القناعة.
بين التنمية والأجندة: تمكين المرأة كنموذج مركّب
في هذا السياق يبرز مثال برامج تمويل المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. لا خلاف على أن تمكين المرأة اقتصادياً وتعليمياً ضرورة تنموية حقيقية، وقد نجحت مبادرات محلية عندما انطلقت من احتياجات واقعية. لكن الإشكال يظهر عندما تُقدَّم بعض هذه البرامج ضمن قوالب جاهزة أو أجندات واسعة لا تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية، فيُصار إلى دعمها بتمويل أجنبي مكثف، ومنح، وحوافز، وشروط مرتبطة بالتمويل. عندها يتداخل الهدف التنموي المشروع مع أطر فكرية أوسع قد لا تحظى بإجماع، فتُقبل المبادرات جزئياً او شكليا بسبب الدعم، لا بسبب الاقتناع الكامل بمضامينها.
القضايا الحساسة: عندما يتقدم التمويل على المجتمع
في القضايا الأكثر حساسية، مثل البرامج التي تتناول مفاهيم الحرية الجنسية أو الأنماط الاجتماعية المرتبطة بها، تتجلى الظاهرة بوضوح أكبر. فهذه الطروحات تواجه في كثير من المجتمعات تحفظات ثقافية ودينية، وعندما لا تجد قبولاً طبيعياً، يُعوَّض ذلك بوسائل متعددة: تمويل سخي، دعم مؤسسي، ورش تدريب، وحوافز مهنية. وأحياناً تُدمج هذه القضايا مع ملفات صحية أو حقوقية متفق عليها، ما يجعل تمريرها أسهل رغم الجدل حولها.
من القيم إلى الأدوات: التعايش والحوار تحت الاختبار
ولا يتوقف الأمر عند البعد الاجتماعي، بل يمتد إلى المجالين السياسي والثقافي. فمفاهيم مثل "حوار الأديان" و"التعايش السلمي" لها جذور أصيلة حين تنشأ من داخل المجتمعات. لكن عندما تُطرح كبرامج ممولة بخطاب موحد لا يراعي السياق، تفقد جزءاً من عفويتها، ويُطرح التساؤل حول حاجتها إلى هذا القدر من الدعم كي تُقبل.
الأمر ذاته ينطبق على بعض خطابات التعايش التي تُفصل عن سياق العدالة، أو على المبادرات التي تدعو إلى الحوار مع الطرف المحتل أو التطبيع معه دون معالجة جوهر الصراع. في هذه الحالات، لا ينبع القبول من قناعة شعبية، بل يُدعم عبر مشاريع وورش ومبادرات ممولة، في محاولة لتعويض فجوة الثقة.
السوق السياسية: حين تُدار التعددية بمنطق "السعر السالب"
ولا يقتصر منطق "السعر السالب" على هذه الحقول، بل يمكن رصده—في بعض السياقات—داخل الحقل السياسي ذاته، خصوصاً في كيفية إدارة التعددية الحزبية. ففي بيئات معينة، لا تُترك المنافسة لتتحدد وفق قواعدها الطبيعية، حيث يقيس الجمهور قوة الأحزاب ببرامجها وقدرتها على الإقناع، بل يُعاد تشكيل"السوق السياسية" عبر أدوات غير مباشرة. هنا، لا يُمنح الدعم على أساس الشعبية او القناعة المجتمعية، بل يُستخدم كأداة لصناعتها.
تظهر هذه الدينامية عندما تُمنح بعض الأطراف تسهيلات استثنائية—كالوصول الواسع إلى المنصات الإعلامية، أو مرونة في الإجراءات، أو دعم غير معلن—في مقابل تضييق تنظيمي أو إداري او أمني على أطراف أخرى. في هذه الحالة، لا تعود المنافسة قائمة على"السعر الموجب" القائم على القبول الشعبي، بل تتحول إلى مشهد تُستخدم فيه أدوات أقرب إلى "السعر السالب”، حيث يُضخ الدعم لتعويض ضعف الحضور الطبيعي.
وفي المقابل، قد تواجه قوى سياسية أخرى ما يشبه "رفع كلفة الوجود السياسي"، من خلال تعقيد الإجراءات أو تقليص المساحات المتاحة لها، او فرض قيود غير معلنة على منتسبيها، ما يجعل انتشارها أكثر صعوبة بغض النظر عن مضمونها أو شعبيتها. والنتيجة في مثل هذه البيئات لا تكون تعددية حقيقية، بل تعددية مُدارة، حيث يُعاد تشكيل موازين القوى ليس فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر التحكم في شروط المنافسة نفسها.
من القبول إلى الامتثال: كيف تُصنع القناعات؟
القاسم المشترك بين هذه الأمثلة ليس بالضرورة خطأ الفكرة في ذاتها، بل طريقة تقديمها. حين يُستبدل الحوار الحقيقي بالحوافز، وتُستبدل القناعة بالتمويل، يتحول التبني إلى استجابة مؤقتة لا إلى تحول راسخ. وهذا يترك آثاراً واضحة: استقطاب مجتمعي، تآكل في الثقة، وتبنٍ شكلي لا يصمد طويلاً.
السعر السالب على مستوى الدول: المساعدات كأداة توجيه
ولا يتوقف هذا المنطق عند حدود الداخل، بل يمتد إلى العلاقات الدولية، حيث ترتبط بعض أشكال المساعدات—بدرجات متفاوتة—بشروط سياسية أو اقتصادية أو أمنية. في مثل هذه الحالات، لا يكون التمويل مجرد دعم، بل أداة لإعادة توجيه السياسات أو الأولويات، خاصة في الدول التي تواجه ضغوطاً اقتصادية حادة.
ومع أن المساعدات لعبت دوراً مهماً أحيانا في دعم التنمية والاستقرار، إلا أن الإشكالية تظهر عندما تتحول من وسيلة تمكين إلى أداة تأثير، حيث يُدفع الثمن—بشكل مباشر أو غير مباشر—لتأمين القبول، لا بالضرورة القناعة.
السعر الموجب: حين تنجح الأفكار بذاتها
في المقابل، تكشف التجارب الأكثر نجاحاً عن معادلة مختلفة. الأفكار التي تنبع من الداخل، أو تُصاغ بما ينسجم مع البيئة المحلية، لا تحتاج إلى "دفع ثمن" لقبولها. مبادرات بسيطة، بإمكانات محدودة، تنجح لأنها تعبّر عن حاجة حقيقية. هذه هي الأفكار ذات "السعر الموجب"—التي يطلبها الناس لأنها تمثلهم، لا التي يُطلب منهم قبولها تحت تأثير الحوافز.
الخلاصة: اختبار القيمة الحقيقية
الخلاصة أن "السعر السالب" في عالم الأفكار ليس مجرد استعارة بل مؤشر إنذاري. كلما احتاجت فكرة—مهما كان عنوانها جذاباً—إلى تمويل متزايد كي تُمرَّر، كان ذلك دليلاً على فجوة بينها وبين المجتمع. وهذه الفجوة لا تُعالج بالأموال، بل بإعادة بناء الثقة، واحترام الخصوصية، والانطلاق من احتياجات الناس الفعلية.
السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً:
هل نحن أمام فكرة تقنع بذاتها فتُقبل بإرادة المجتمع، أم أمام فكرة يُدفع لنا—بشكل مباشر أو غير مباشر—كي نتبناها؟
الفرق بين الحالتين لا يحدد فقط مصير الفكرة، بل يحدد أيضاً شكل العلاقة بين المجتمع وما يُطرح عليه من رؤى ومشاريع.







