إسرائيل تحت الطوارئ: حين تتحول الهدنة إلى انتظار للحرب
جو 24 :
كتب - زياد فرحان المجالي
حين تصادق الحكومة الإسرائيلية على تمديد حالة الطوارئ عبر تصويت هاتفي، فإن المسألة لا تبدو إجراءً إداريًا عاديًا، ولا مجرد تمديد بروتوكولي لصلاحيات الجبهة الداخلية. فالقرارات التي تُتخذ بهذه السرعة، ومن دون انتظار المسارات الحكومية الاعتيادية، تكشف عادة أن المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل تتعامل مع لحظة حساسة، ترى فيها أن الوقت نفسه قد يصبح جزءًا من الخطر.
تمديد حالة الطوارئ حتى التاسع عشر من أيار/مايو يحمل دلالة واضحة: إسرائيل لا تتصرف كدولة خرجت من الحرب، بل كدولة تقيم داخل هدنة قلقة، وتستعد في الوقت نفسه لاحتمال عودة المواجهة. فالهدنة، في القراءة الإسرائيلية، ليست نهاية للمشهد، بل مساحة مؤقتة لإعادة الانتشار، وفحص نوايا الخصوم، ومراقبة التحولات في الخليج ولبنان وإيران.
اللافت في القرار أنه يشمل كامل الأراضي الإسرائيلية، لا منطقة محددة فقط. وهذا يعني أن تل أبيب لا تنظر إلى الخطر بوصفه تهديدًا حدوديًا محدودًا، بل كتهديد متعدد الساحات. فإسرائيل اليوم لا تراقب جبهة واحدة؛ عينها على لبنان، وأخرى على الخليج، وثالثة على إيران، ورابعة على الداخل الإسرائيلي الذي لم يعد قادرًا على تحمل حالة استنزاف طويلة بلا أفق سياسي واضح.
من وجهة نظر محلل للشؤون الإسرائيلية، تبدو المؤسسة العسكرية في إسرائيل أكثر قلقًا من المؤسسة السياسية. فالجيش يعرف أن أي احتكاك في مضيق هرمز، أو أي انهيار في المفاوضات الأميركية–الإيرانية، قد لا يبقى محصورًا في الخليج. إيران تملك أدوات رد متعددة، وإسرائيل تدرك أن جزءًا من الرد قد يمر عبر الجبهات القريبة، خصوصًا لبنان وسوريا وربما العراق واليمن.
لهذا جاء تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير عن انتشار القوات في جميع الجبهات وجاهزيتها لأي سيناريو قريب أو بعيد. هذه اللغة ليست للاستهلاك الإعلامي فقط، بل تعكس قناعة إسرائيلية بأن الحرب لم تُغلق ملفاتها، وأن الهدوء الحالي لا يعني انخفاض الخطر، بل ربما يعني أن الأطراف تستعد للجولة التالية بطريقة أكثر حسابًا.
في العمق، تعيش إسرائيل تناقضًا صعبًا. فهي تريد اتفاقًا أميركيًا–إيرانيًا يمنع إيران من امتلاك قدرة نووية متقدمة، لكنها لا تريد اتفاقًا يعيد تأهيل إيران اقتصاديًا وسياسيًا ويمنحها شرعية إقليمية جديدة. وتريد استمرار الضغط الأميركي على طهران، لكنها تخشى في الوقت نفسه من حرب واسعة قد تجعل الجبهة الداخلية الإسرائيلية هدفًا مباشرًا.
هذا التناقض يفسر تمديد الطوارئ. فإسرائيل لا تعرف بعد إن كانت واشنطن ذاهبة إلى صفقة كبرى أم إلى جولة ضغط جديدة. ولا تعرف إن كان تعليق «مشروع الحرية» في هرمز خطوة نحو التفاوض، أم استراحة تكتيكية قبل تصعيد آخر. لذلك تفضل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إبقاء الجبهة الداخلية تحت صلاحيات استثنائية، لأن القرار السياسي لم يستقر بعد على اتجاه نهائي.
والأهم أن تمديد حالة الطوارئ يكشف قلقًا داخليًا من قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل حرب طويلة. فالجبهة الداخلية لم تعد هامشًا في الحروب الحديثة. الصواريخ، المسيّرات، الإنذارات، الملاجئ، تعطيل الاقتصاد، إغلاق المدارس، وتوتر الشارع، كلها أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي. لذلك، حين تطلب المؤسسة الأمنية صلاحيات إضافية، فهي لا تفكر فقط بالجيش في الميدان، بل بالمجتمع الذي قد يتحول إلى نقطة ضغط على الحكومة.
هنا تظهر مشكلة بنيامين نتنياهو أيضًا. فهو يحتاج إلى إظهار الحزم أمام إيران وحزب الله، لكنه يدرك أن أي حرب جديدة بلا إنجاز واضح قد تزيد أزمته الداخلية. لذلك تبدو إسرائيل عالقة بين خطاب القوة وحسابات الكلفة. تستطيع أن تهدد، وتستعد، وتعلن الجاهزية، لكنها تعرف أن فتح الجبهات كلها دفعة واحدة قد يكون أخطر من القدرة على إدارتها.
في المقابل، لا يمكن التقليل من جدية الاستعداد الإسرائيلي. فتمديد الطوارئ يمنح الجيش وقيادة الجبهة الداخلية قدرة على فرض تعليمات سريعة، وتقييد الحركة، وإدارة السكان في حال التصعيد. وهذا يعني أن إسرائيل لا تكتفي بقراءة الاحتمالات، بل تجهز نفسها عمليًا لسيناريو انهيار التهدئة.
الخلاصة أن قرار تمديد حالة الطوارئ ليس خبرًا إداريًا، بل رسالة سياسية وأمنية مزدوجة. إلى الداخل الإسرائيلي، تقول الحكومة إن الخطر لم ينتهِ. وإلى الخارج، تقول إن إسرائيل مستعدة لأي انهيار في التفاوض أو أي محاولة لاستهدافها. لكن خلف هذه الرسالة القوية تختبئ حقيقة أكثر تعقيدًا: إسرائيل قوية عسكريًا، لكنها قلقة استراتيجيًا.
فالهدنة الحالية ليست سلامًا، والطوارئ ليست مجرد احتياط، والتصويت الهاتفي ليس تفصيلًا شكليًا. كلها مؤشرات على دولة تعيش في لحظة انتظار خطرة، بين اتفاق قد لا يرضيها، وحرب قد لا تستطيع التحكم بكلفتها.
وفي السياسة الإسرائيلية، أخطر اللحظات ليست دائمًا لحظة إطلاق النار، بل لحظة الانتظار التي تعرف فيها الدولة أن الحرب ممكنة، لكنها لا تعرف من سيضغط أولًا على الزناد.







