كانت السبعينات تكاد تودع الزمن، بينما هو في ربيع الرجاء وريعان الأمل. كان توجساً يعتريه تسلل إليه مع بعض اضطراب في ركبتيه كأنهما ينصتان لنداء الوداع وحسيس الرحيل. أحس برهبة التجربة ورعشة الطيران، زادت برودة ذاك الصباح التشريني قلقه وشعر أن مطار ماركا يصب عليه الصقيع والتوتر صباً. غطس في حزنه حين أقلعت الطائرة صوب الغيوم، تسمر في مقعده بعدما أحكم الحزام ونظر من النافذة بريبة، رأى عمان حينها شاحبة عطشى تتضرع الماء والشجر، تلتمس التاريخ والقلم، والقلعة حينها فوق السقف والسيل تحرس السبيل والحوريات وتلال سبع وترتب قسمات البشر.
هناك على حافة النهاية في بريطانيا، استقل القطار والضباب، حمل في قلبه مزيجاً من آيات الصبر وقبس الحلم في رحلة الغربة والكتاب. كانت الرحلة أطول من المسافات، تسع سنوات في أعماق الذات ودهاليز الروح مع رجفة في الضمير، فيها تشظت أعماقه بين حنين الشرق ورعونة الغرب، تشقق كيانه ما بين طراوة الدنيا ونداء السماء. كان قد حمل معه، يوم أقلته الطائرة، شيئاً من سحر ذاك الغرب، رغبة مدهوشة، وإعجاباً غضاً، ودفتر أحلام سطرته السينما والأفلام، بريق حضارة يلوح من بعيد، وثقافة تفتن القلب والعقل معاً. حمل في مخيلته صراحة العلم وشموخ المعرفة، هيبة القانون، ورقة الديمقراطية حين تتزين بوعود السياسة. لكن الغربة لا تمنح أسرارها دفعة واحدة؛ كانت تلسعه يوماً بعد يوم، وتكشف له، مع تعاقب الفصول، أن البريق قد يخفي وراءه عتمة ماكرة وفراغ الروح. تعمق صمته وتضاعفت حدة وحدته، وشيئاً فشيئاً انطوى إعجابه على نفسه، كما تنطوي رسالة قديمة في درج النسيان، تعمق سكونه، وتضاعفت وحشته، وصار يمشي بين الظنون كمن يعبر سراباً، حبيس شكه وأسئلته، يبحث في ممرات الغربة عن ومضة رشد، وعن سبيل يقوده إلى الصواب.
عدها عقوداً سارت على خطى الأيام والشرق يبقى شرق والغرب غرب والأرض ما فتئت تجادل السماء، والروح تظل عطشى لحل عقدة الإنسان ومأزق الزمان. واليوم، وهناك، في البعيد، صار الضباب كثيفاً وثقيلاً، يحجب الرؤية ويطفئ الرؤى، والحضارة التي تزينت بوعودها على فوهة البركان ومساحة القرون تتدحرج في صمت حزين نحو الأفول، مثلما نجمة أنهكها الضوء، تمضي إلى نهايتها وهي تلوح وداعاً لآخر العابرين.
أما القلعة ما زالت شامخة في قدمها تحرس الحوريات وترتب ملامح الناس، وأما التيه والحيرة فقد مكثت في الضباب، ذاك أن موسم الهجرة للشمال قد توقف هناك في مطار ماركا منذ توالي السبعينات، منذ تلك الطائرة والرحلة ورجفة ركبتيه، منذ أن أصر على نفسه أن يتمسك بنفسه، أن يتصالح مع روحه وغيره، أن يعبر بسلام رحلة الغربة في ثنايا الذات.
