لا يجوز التعامل مع تعاطي المخدرات والاتجار بها على أنها قضية شرطية أو جنائية فقط. فالمخدرات تمثل خطراً وطنياً يمسّ الأسرة، والشباب، والمدارس، والصحة العامة، والأمن الوطني، والإنتاجية الاقتصادية، والبنية الأخلاقية للمجتمع. وعندما تنتشر المخدرات، فإنها لا تدمر الأفراد وحدهم، بل تضعف الأسر، وتستنزف الأجهزة الأمنية، وتزيد الجريمة، وتضر بالقوى العاملة، وتخلق حالة طويلة الأمد من عدم الاستقرار الاجتماعي.

ولهذا السبب، يجب أن تُدار مكافحة المخدرات باعتبارها أولوية استراتيجية وطنية، لا باعتبارها حملة موسمية أو رد فعل على حوادث متفرقة.

تبدأ الخطوة الأولى بالاعتراف بالمخدرات كخطر رئيسي ضمن سجل المخاطر الوطني. وهذا يعني أن على الدولة مراقبة هذه القضية من خلال مؤشرات إنذار مبكر، وتقييم للمخاطر، وتحليل استخباري، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. وقد تشمل هذه المؤشرات حوادث المدارس، وشكاوى الأحياء، والطلب على العلاج، ومحاولات التهريب، والجرائم المرتبطة بالمخدرات، والبطالة بين الشباب، واتساع شبكات التوزيع. ومن دون المراقبة وأنظمة الإنذار المبكر، قد لا تتحرك الدولة إلا بعد أن تكون المشكلة قد تسببت بالفعل بأضرار كبيرة.

وتدعم البيانات الإقليمية والدولية خطورة تهديد المخدرات. فقد أكد تقرير المخدرات العالمي الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2025 أن المواد المنبهة من نوع الأمفيتامين، بما في ذلك الكبتاغون، ما تزال تهيمن على أنماط تعاطي وتهريب المخدرات الاصطناعية عالمياً. كما حذر المكتب من أن جماعات الاتجار المنظم بالمخدرات تواصل التكيف مع الظروف، واستغلال الأزمات، واستهداف الفئات الضعيفة. وهذا يدعم القول إن قضية المخدرات ليست مشكلة محلية معزولة، بل جزء من سوق إجرامية أوسع تتطلب الوقاية، والاستخبارات، والإنفاذ، والعلاج، والتعاون الإقليمي.

كما تُظهر الأرقام الرسمية الأردنية حجم وتعقيد التحدي. فوفقاً للقوات المسلحة الأردنية، تعاملت القوات المسلحة خلال عام 2025 مع 536 محاولة تسلل وتهريب، وضبطت 18,938,266 حبة مخدرة، وصادرت 251 كيلوغراماً من المخدرات، وضبطت 14,471 كف حشيش، وأسقطت 89 طائرة مسيّرة، وصادرت 168 قطعة سلاح خفيف. وفي الربع الأول من عام 2026 وحده، أعلنت القوات المسلحة إحباط 156 محاولة تسلل وتهريب، وضبط أكثر من 9.2 مليون حبة كبتاغون، وإسقاط 26 طائرة مسيّرة، ومصادرة أسلحة. وتؤكد هذه الأرقام أن القضية ليست شأناً صحياً عاماً فقط، بل هي أيضاً خطر يتعلق بأمن الحدود، والجريمة المنظمة، والاستقرار الوطني.

وتبقى الأسرة خط الدفاع الأول. فلا يجوز للوالدين أن يتركوا أبناءهم عرضة للشارع، ورفاق السوء، والهواتف المحمولة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والعزلة العاطفية، من دون توجيه أو رقابة. وعلى الأسرة أن تبني الثقة مع الأبناء، وأن تلاحظ التغيرات السلوكية، وأن تتواصل بصراحة، وأن تتدخل مبكراً من دون خجل أو إنكار. فالبيت الذي يجمع بين الانضباط، والمحبة، والحوار، والمسؤولية، أقوى بكثير من البيت الذي لا يتحرك إلا بعد أن تصبح المشكلة خطيرة.

وتتحمل المدارس والجامعات أيضاً مسؤولية كبرى. فلا ينبغي أن تقتصر التوعية بمخاطر المخدرات على محاضرات متفرقة أو ملصقات عابرة. بل يجب أن تصبح جزءاً من التعليم المستمر، والتدريب على مهارات الحياة، وبناء الشخصية. فالشباب بحاجة إلى أن يتعلموا كيفية التعامل مع ضغط الأقران، والضعف العاطفي، والإغراءات الاجتماعية، والعادات الهدامة. ويجب أن يدركوا أن المخدرات ليست شكلاً من أشكال الشجاعة، أو الهروب، أو الحداثة، أو المتعة، بل طريق نحو التبعية، وفقدان الكرامة، ومعاناة الأسرة، والجريمة، وتدمير فرص المستقبل.

لكن التوعية وحدها لا تكفي. فكثير من الشباب يُدفعون نحو السلوك الخطر عندما يشعرون بالفراغ، أو البطالة، أو الإهمال، أو غياب الهدف. ولذلك، فإن مكافحة المخدرات تتطلب توفير بدائل حقيقية للشباب، مثل الرياضة، والتدريب المهني، وريادة الأعمال، والعمل التطوعي، والأنشطة الثقافية، ومسارات جادة للتشغيل. فالشاب الذي يمتلك هدفاً، ومهارة، وانضباطاً، وأملاً، يكون أقل عرضة لأن يصبح فريسة سهلة للإدمان أو الشبكات الإجرامية.

وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون إنفاذ القانون حازماً، ومهنياً، ومستمراً. فالمروجون، والمهربون، والمصنعون، والموزعون، والممولون، والشبكات المنظمة، يجب التعامل معهم باعتبارهم تهديداً مباشراً للأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي. فهؤلاء ليسوا مخالفين عاديين؛ إنهم يدمرون الأسر ويضعفون الدولة من الداخل. ويجب أن يُطبق القانون بحزم ومن دون محاباة. ومع ذلك، يجب التمييز بوضوح بين التاجر الذي يربح من تدمير المجتمع، والشخص المدمن الذي يحتاج إلى العلاج، والتأهيل، وإعادة الإدماج.

كما يجب أن تنتقل أجهزة مكافحة المخدرات إلى ما هو أبعد من الإنفاذ الروتيني، وأن تعمل بقدرات استخبارية مهنية عالية لاختراق وتفكيك عصابات إنتاج وتهريب المخدرات العاملة داخل الحدود وخارجها. ويتطلب ذلك شبكات استخبارية قوية، وتتبعاً مالياً، ورقابة إلكترونية حيثما ينطبق ذلك، وتحقيقات منضبطة تحت إشراف قضائي، وتنسيقاً وثيقاً مع الجهات الإقليمية والدولية. ويجب ألا يقتصر الهدف على القبض على صغار الموزعين أو المتعاطين، بل الوصول إلى المنظمين، والممولين، والمصنعين، والناقلين، وشبكات الحماية، وقنوات غسل الأموال التي تقف خلف هذه التجارة. فمكافحة المخدرات بفاعلية تعني كسر السلسلة الإجرامية كاملة، من الإنتاج والتمويل إلى التهريب والتخزين والتوزيع والتداول داخل المجتمع.

وتُعد حماية الحدود جزءاً حاسماً من الاستجابة الوطنية. وقد يتركز جانب كبير من النقاش العام على الحدود السورية، غير أن أي استراتيجية وطنية جادة لمكافحة المخدرات يجب ألا تحصر تقييم التهديد باتجاه واحد فقط. فالمخدرات قد تدخل من أي مسار ضعيف، بما في ذلك الحدود الشمالية، والشرقية، والغربية، والجنوبية، وممرات الترانزيت، والموانئ، والمطارات، أو شبكات التوزيع الداخلية. وتؤكد التقارير الرسمية الحديثة هذا الخطر؛ ففي أيار/مايو 2026 أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن المنطقة العسكرية الجنوبية أحبطت محاولات لتهريب مواد مخدرة باستخدام طائرات مسيّرة على الواجهة الغربية. وهذا يؤكد الحاجة إلى تقييم متعدد الاتجاهات للتهديد، بدلاً من افتراض أن الخطر لا يأتي إلا من جهة واحدة.

ولذلك، يجب التعامل مع القضية باعتبارها خطراً وطنياً متعدد الاتجاهات، خصوصاً أن هناك أطرافاً كثيرة قد تكون لها مصلحة في إضعاف الدولة اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً. والمنهج الصحيح ليس توجيه الاتهامات من دون دليل، بل التخطيط المهني على أساس أن كل حدود، وكل طريق، وكل سلسلة إمداد يجب أن تخضع للمراقبة، والتقييم، والحماية. فالدولة التي تفترض أن التهديد لا يمكن أن يأتي إلا من جهة واحدة قد تترك أبواباً أخرى مفتوحة أمام من يستفيدون من زعزعة استقرار المجتمع وإرهاق مؤسساته.

ولا يقل العلاج والتأهيل أهمية عن الأمن. فلا يجوز التعامل مع الإدمان فقط بالعقاب أو الرفض الاجتماعي. فالشخص المدمن يحتاج إلى رعاية طبية، ودعم نفسي، وإرشاد أسري، وتأهيل مهني، وإعادة إدماج منضبطة في المجتمع. وإذا كان العلاج ضعيفاً أو غير متاح، فإن كثيراً من المتعاطين سيعودون إلى البيئة نفسها ويكررون الدورة ذاتها. لذلك، يجب أن تستثمر الدولة في مراكز التأهيل، والمستشارين المؤهلين، وبرامج الدعم المجتمعي، والمسارات العملية التي تسمح للمتعافين بالعودة إلى التعليم، والعمل، والحياة الأسرية بكرامة.

وللإعلام أيضاً دور جاد. يجب أن يرفع الوعي من دون مبالغة، أو دراما عاطفية، أو ترويج غير مقصود لثقافة المخدرات. ويجب أن تكون الرسائل الإعلامية واضحة، ومسؤولة، وتثقيفية، وأن تُظهر النتائج الحقيقية لتعاطي المخدرات على الصحة، والكرامة، والأسرة، والعمل، والمستقبل. ويمكن لرجال الدين، والمعلمين، والأطباء، والشخصيات المجتمعية، والرياضيين، والمتعافين من الإدمان أن يساهموا جميعاً في إيصال رسائل موثوقة إلى المجتمع.

كما أن الإنذار المبكر على مستوى المجتمع المحلي أمر أساسي. فعلى البلديات، والمدارس، والشرطة، والمراكز الصحية، والمساجد، والكنائس، والأندية الشبابية، والمنظمات المحلية أن تعمل معاً. ويجب أن تمتلك كل منطقة آلية للإبلاغ عن المخاوف، ودعم الأسر، والتدخل المبكر قبل أن يتحول التعاطي إلى جريمة، أو إدمان، أو انهيار اجتماعي. فكلما كان التدخل أبكر، كان الضرر أقل، وكانت الكلفة على الدولة والمجتمع أقل.

ويجب أن تُدعم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات بمؤشرات أداء واضحة ومساءلة عامة. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات عدد المدارس والجامعات التي شملتها برامج الوقاية والتوعية، وعدد المتعاطين الذين دخلوا برامج العلاج والتأهيل، ونسبة المتعافين الذين عادوا بنجاح إلى العمل أو التعليم، وعدد شبكات التهريب والتوزيع التي تم تفكيكها، وعدد التدخلات المجتمعية المبكرة قبل أن تتحول الحالات إلى جريمة أو إدمان، ومستوى التحسن القابل للقياس في وعي الشباب من خلال الاستبيانات والتغذية الراجعة الميدانية. ومن دون هذه المؤشرات، قد تبذل الدولة جهداً وتنفق مالاً من دون أن تعرف ما إذا كانت مشكلة المخدرات تتراجع فعلاً، أو تنتقل إلى مناطق جديدة، أو تصبح أكثر خطورة.

وفي الخلاصة، يجب أن تتحول مكافحة المخدرات إلى مشروع وطني منسق. فالشرطة وحدها لا تستطيع الانتصار في هذه المعركة. والمدارس وحدها لا تستطيع ذلك. والأسرة وحدها لا تستطيع ذلك. الحل يتطلب شراكة قوية بين الدولة، والأجهزة الأمنية، والأسرة، والنظام التعليمي، والقطاع الصحي، والمؤسسات الدينية والمجتمعية، والإعلام، وبرامج الشباب.
إن أقوى سلاح في مواجهة المخدرات ليس الخوف وحده، بل مجتمع يجمع بين الانضباط، والوعي، والفرصة، والاستخبارات، والعدالة، والعلاج، والأمل. فالدولة التي تحمي شبابها تحمي مستقبلها، والدولة التي تسمح للمخدرات بالانتشار تسمح للمجرمين، والمصالح المعادية، والفشل الاجتماعي بأن يضعفوها من الداخل.