كتب موسى العجلوني - كشفت قمة بكين الأخيرة بين الرئيس الصيني شي جينبنغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تحوّل متسارع في طبيعة الدور الصيني داخل النظام الدولي، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة أزمات الشرق الأوسط. فبالنسبة لبكين، لم تكن الحرب الإيرانية مجرد تطور إقليمي عابر، بل اختباراً مباشراً لقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية في الطاقة والتجارة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن أو التفريط بعلاقاتها العميقة مع طهران.

وفي هذا السياق، أظهرت المباحثات الأمريكية الصينية أن بكين باتت تتقن ما يمكن تسميته ب"دبلوماسية التوازن الحرج"؛ أي إدارة التناقضات الحادة بين القوى المتصارعة عبر منع الانهيار الكامل لأي طرف، والحفاظ في الوقت ذاته على شبكة مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الممتدة من الخليج إلى الأسواق الأمريكية.

 

رفض عسكرة مضيق هرمز دون الصدام مع واشنطن

أدركت القيادة الصينية مبكراً أن التصعيد العسكري الواسع في الخليج، وخاصة أي محاولة لتحويل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مباشرة، سيشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي وللأمن الطاقوي الصيني تحديداً. لذلك، حرصت بكين خلال المباحثات على الدفع باتجاه مقاربة تقوم على "احتواء الأزمة"Crisis Containment بدلاً من توسيعها.

وفي الوقت الذي واصلت فيه واشنطن استخدام لغة الردع والضغط العسكري، ركزت الصين على إبراز الكلفة الاقتصادية الكارثية لأي إغلاق محتمل للمضيق، سواء على أسعار الطاقة أو على سلاسل الإمداد الدولية. وبهذا التموضع، نجحت بكين في التقاطع مع الولايات المتحدة عند هدف حماية الملاحة الدولية، لكنها في الوقت ذاته عملت على كبح اندفاعة التصعيد العسكري الشامل عبر تحويل النقاش من منطق القوة إلى منطق توازن المصالح المشتركة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

أمن الممرات المائية بوصفه أولوية استراتيجية

لم يكن ملف أمن الممرات البحرية بنداً تقنياً هامشياً في القمة، بل شكّل أحد المحاور المركزية في التفاهمات بين الطرفين. فالصين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تنظر إلى مضيق هرمز وباب المندب باعتبارهما شريانين حيويين لاستمرار نشاطها الصناعي والتجاري.

ومن هنا، سعت بكين إلى تثبيت معادلة تمنع انزلاق الحرب نحو حصار بحري شامل أو تعطيل طويل الأمد لحركة الناقلات النفطية. وقد انعكس ذلك في اللهجة الأمريكية الأكثر حذراً بعد القمة، حيث بدأ الحديث عن "منع التصعيد" و"حماية تدفق التجارة العالمية" بدلاً من التركيز الحصري على الخيارات العسكرية. اما توصيف الرئيس الأمريكي بعد عودته من بكين لحالة الأزمة مع ايران ب"السكون الذي يسبق العاصفة"، فإنه لا يخرج  عن سياسة التلويح بالعصا لتحقيق اكبر مكاسب سياسية ممكنة من المحادثات الجارية مع طهران.

هذا التحول لا يعني تراجعاً أمريكياً كاملاً، لكنه يكشف نجاح الصين في فرض البعد الاقتصادي العالمي للحرب على طاولة القرار السياسي.

 

التوافق على منع الانتشار النووي والخلاف حول الوسيلة

في الملف النووي الإيراني، ظهرت واحدة من أكثر نقاط التوازن الصينية حساسية. فمن جهة، لا ترغب بكين في تحوّل إيران إلى قوة نووية عسكرية، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي واسع يهدد استقرار الشرق الأوسط ويضرب المصالح الصينية في المنطقة.

ومن جهة أخرى، لا تبدو الصين مقتنعة بأن سياسة "الضغط الأقصى" أو الضربات العسكرية ضد المنشآت النووية تمثل حلاً مستداماً. فبكين تدرك أن محاصرة طهران بصورة كاملة قد تدفعها إلى تسريع التخصيب وتحويل البرنامج النووي إلى أداة ردع مباشرة.

لذلك، حاولت الصين تقديم نفسها كطرف قادر على الجمع بين الضغط والاحتواء Pressure and containment ؛ فهي تحتفظ بعلاقات مفتوحة مع إيران، وفي الوقت ذاته تبعث برسائل طمأنة إلى واشنطن بأنها لا تدعم عسكرة البرنامج النووي الإيراني. كما استثمرت بكين حاجة إدارة ترامب إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يمنع توسع الحرب، من أجل تحصين شركاتها ومصارفها من العقوبات الثانوية الأمريكية.

 

النفط الإيراني وتموضع الصين كوسيط دولي

أحد أهم جوانب القمة تمثل في تمسك الصين باستمرار تدفق النفط الإيراني إلى أسواقها، باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي والسيادي. فواشنطن كانت تأمل أن تستخدم بكين ثقلها الاقتصادي للضغط على طهران، لكن الصين تعاملت مع الملف بمنطق مختلف يقوم على الفصل بين الخلافات السياسية والمصالح الطاقوية طويلة الأمد.

وفي الوقت ذاته، لم تكتفِ بكين بحماية مصالحها النفطية، بل عملت على تعزيز صورتها كقوة قادرة على التواصل مع جميع الأطراف. فهي لم تظهر كحليف كامل لإيران، كما لم تنخرط في الاصطفاف الأمريكي ضدها، بل حاولت التموضع في المنطقة الرمادية التي تمنحها القدرة على لعب دور الوسيط عند الحاجة.

وعبر استعدادها للمشاركة في جهود التهدئة وطرح نفسها كقناة اتصال مفتوحة بين العواصم المتصارعة، سعت الصين إلى ترسيخ صورة جديدة لدورها الدولي: ليس فقط كشريك اقتصادي عالمي، بل كفاعل جيوسياسي يسعى للمشاركة في إدارة الأزمات الكبرى.

 

حدود الدور الصيني وتعقيدات المشهد

ومع ذلك، فإن قدرة بكين على لعب دور الوسيط تبقى محكومة بجملة من القيود الموضوعية. فالصين، رغم قوتها الاقتصادية الهائلة، لا تمتلك حتى الآن البنية العسكرية والأمنية التي تتيح لها التأثير المباشر في توازنات الشرق الأوسط كما تفعل الولايات المتحدة.

 

كما أن هامش الحركة الصيني يبقى حساساً تجاه أي مواجهة اقتصادية مفتوحة مع واشنطن، خصوصاً في ظل الترابط العميق بين الاقتصادين الأمريكي والصيني. ولهذا تبدو بكين حريصة على إدارة الأزمة بمنطق "منع الانفجار" أكثر من السعي لفرض تسوية نهائية شاملة.

 

من الشريك التجاري إلى الفاعل الجيوسياسي

التحول الأهم الذي كشفت عنه قمة بكين لا يتعلق فقط بتفاصيل الحرب الإيرانية، بل بطبيعة الدور الصيني نفسه. فالصين لم تعد تكتفي بدور القوة الاقتصادية المستفيدة من الاستقرار الذي تنتجه القوى الأخرى، بل بدأت تتحرك تدريجياً نحو موقع الفاعل السياسي الذي يسعى للمشاركة في صناعة هذا الاستقرار وحمايته.

وفي هذا السياق، تبدو "دبلوماسية التوازن الحرج" Critical balancing diplomacy التي انتهجتها بكين محاولة لبناء نموذج مختلف عن نموذج الهيمنة التقليدية؛ نموذج يقوم على إدارة المصالح المتعارضة، ومنع الانهيارات الكبرى، والحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف المتصارعة.

لقد خرجت الصين من القمة محتفظة بعلاقاتها مع إيران، ومطمئنة نسبياً على أمن الطاقة والممرات البحرية، ومعززة لموقعها كأحد أبرز الأطراف القادرة على التأثير في مسارات التهدئة داخل أكثر مناطق العالم حساسية واستراتيجية، وبذلك أثبتت انها تجيد اللعب على اكثر من حبل في آن واحد.