لم يعد السؤال اليوم: هل نحتاج إلى سردية وطنية؟ فكل دولة تحتاج إلى روايتها، وإلى خطاب يشرح معناها، ويحفظ ذاكرتها، ويجمع أبناءها حول فكرة جامعة. لكن السؤال الأهم والأخطر هو: من يصنع هذه السردية؟ وبأي أدوات؟ وهل تُبنى السردية الوطنية كما تُبنى الحملات الإعلانية، أم أنها ثمرة تاريخ طويل من الصدق، والعدل، والتضحية، والثقة بين الدولة والمجتمع؟

إن الحديث عن صناعة السردية الوطنية عبر المؤثرين ومنطق المشاهدات يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان. فالوطن ليس منتجًا تجاريًا يحتاج إلى تسويق، والدولة ليست علامة تجارية تبحث عن جمهور، والهوية الوطنية ليست مقطعًا قصيرًا ينتظر الإعجاب والمشاركة. قد تنجح المؤثرات البصرية في لفت الانتباه، وقد تحقق الحملات الرقمية انتشارًا واسعًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني إيمانًا حقيقيًا بالدولة، ولا أن تعوّض غياب الثقة، ولا أن تملأ فراغ العدالة في وجدان الناس.

السردية الوطنية لا تُصنع في غرف التسويق وحدها، ولا تُختصر في صورة جميلة، أو أغنية مؤثرة، أو مقطع عاطفي عابر. السردية الحقيقية تُبنى حين يشعر المواطن أن قصته جزء من قصة الوطن، وأن كرامته محفوظة، وأن صوته مسموع، وأن تاريخه لا يُستخدم للزينة، بل يُحترم باعتباره ذاكرة جامعة ومسؤولية مستمرة.

وهنا تكمن المسألة الأخطر: لا يمكن بناء سردية وطنية مقنعة بينما يشعر شباب المحافظات أنهم خارج مركز الاهتمام، أو أن فرصهم في العمل والمشاركة والتمثيل أقل من غيرهم. لا يمكن أن نطلب من شاب عاطل عن العمل أن يصفق لسردية لا يجد نفسه فيها، ولا من طالبة موهوبة أن تؤمن بخطاب وطني لا يفتح لها طريقًا عادلة نحو المستقبل. السردية الوطنية لا تنجح حين تخاطب الناس من فوق، بل حين تنزل إلى قراهم ومدنهم وجامعاتهم ومخيماتهم وبواديهم، وتسمع أسئلتهم قبل أن تطلب منهم ترديد الأجوبة.

المشكلة ليست في استخدام الإعلام الحديث، ولا في الاستفادة من المنصات الرقمية، فهذه أدوات مهمة لا يمكن تجاهلها. لكن الخطأ أن تتحول الأداة إلى أصل، وأن يصبح الانتشار بديلًا عن المضمون، والمشاهدات بديلًا عن الثقة، والصورة بديلًا عن الحقيقة. فالسردية الوطنية إذا لم تستند إلى عدالة في السياسات، وصدق في الخطاب، وإنصاف في توزيع الفرص، واحترام لذاكرة الناس، فإنها ستبقى حملة عابرة مهما بلغت من الاحتراف.

إن الأمم لا تعيش بالسرديات المصطنعة، بل بالسرديات التي تختبرها الشعوب في حياتها اليومية. فالمواطن يصدق الدولة حين يراها عادلة، ويؤمن بالوطن حين يشعر أنه شريك فيه لا متفرج عليه، ويدافع عن هويته حين يجد أن هذه الهوية تحميه ولا تستخدمه عند الحاجة فقط. أما حين تتحول السردية إلى واجهة إعلامية، فإنها تفقد روحها، وتصبح أقرب إلى خطاب رسمي مزخرف لا يلامس الوجدان.

السردية الوطنية الحقيقية لا تخاف من النقد، ولا تهرب من الأسئلة الصعبة، ولا تكتفي بتمجيد الماضي. إنها تعترف بالإنجاز كما تعترف بالتقصير، تحتفي بالتضحيات كما تصغي إلى المظلومين، وتحفظ الرموز الوطنية دون أن تصادر حق الأجيال الجديدة في السؤال والمشاركة. فالوطن القوي ليس هو الذي يطلب من أبنائه الصمت باسم الانتماء، بل الذي يجعل الانتماء مساحة للكرامة والمشاركة والمسؤولية.

نحن بحاجة إلى سردية وطنية نعم، لكننا بحاجة أولًا إلى أن نمنح هذه السردية أساسها الأخلاقي والسياسي والاجتماعي. نحتاج إلى رواية تقول للناس إنهم ليسوا جمهورًا في مسرح الدولة، بل شركاء في معناها ومستقبلها. نحتاج إلى سردية تبدأ من المدرسة والجامعة والقرية والبادية والمخيم والمدينة، لا من منصة التصوير فقط. نحتاج إلى خطاب وطني لا يطلب من الناس أن يحبوا وطنهم بالكلمات، بل يساعدهم أن يلمسوا هذا الوطن في العدالة، والفرصة، والخدمة، والاحترام.

فالسردية الوطنية لا يصنعها من يتقن الظهور أمام الكاميرا، بل من يملك الشجاعة ليصالح الدولة مع ناسها، والتاريخ مع الحقيقة، والانتماء مع العدالة. وحين تتحقق هذه المصالحة، لا تعود السردية ترندًا عابرًا، بل تصبح وجدانًا عامًا، وذاكرة حية، وعهدًا صادقًا بين الوطن وأبنائه.